تجمّع آلاف المواطنين أمام مبنى بلدية إسطنبول، في ساحة سراجهانه، لإحياء الذكرى السنوية الأولى لاعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أبرز الأزمات السياسية في تركيا. ورفع المشاركون الأعلام التركية ورددوا شعارات داعمة، من بينها “الرئيس إمام أوغلو” و”سننتصر بالمقاومة”، في دلالة على استمرار رمزيته كمرشح معارض بارز.
وشهدت المنطقة انتشاراً أمنياً مكثفاً، في ظل استحضار أحداث العام الماضي، حين اندلعت مواجهات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين عقب محاولة تفريق الاحتجاجات التي اندلعت فور توقيفه.
خلفيات الاعتقال: توقيت سياسي مثير للجدل
يعود توقيف إمام أوغلو إلى التاسع عشر من مارس 2025، قبل أيام قليلة من الإعلان الرسمي عن ترشيحه من قبل حزب الشعب الجمهوري للانتخابات الرئاسية المقبلة. وقد أثار هذا التوقيت شكوكاً واسعة لدى الأوساط المعارضة، التي اعتبرت القضية ذات دوافع سياسية تهدف إلى إقصاء أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان من المشهد الانتخابي.
ومنذ ذلك الحين، لا يزال إمام أوغلو، البالغ من العمر أربعة وخمسين عاماً، قيد الاحتجاز، في ظل سلسلة متصاعدة من القضايا القضائية، أبرزها القضية الكبرى التي بدأت محاكمتها في مارس، والتي يطالب فيها الادعاء العام بعقوبات سجن تراكمية تصل إلى 2430 عاماً.
شهادات من الميدان: اتهامات بالتسييس وفقدان الثقة
داخل الحشد، عبّر متظاهرون عن قناعتهم بأن القضية تفتقر إلى الأسس القانونية. وأكدت إحدى المشاركات أن اعتقاله “بلا مبرر”، معتبرة أنه كان متقدماً سياسياً قبل إقصائه. كما رأى آخرون أن استهدافه يأتي في إطار تحييد المنافس الأقوى للرئيس الحالي، وحرمانه من فرص الترشح.
احتجاجات ما بعد الاعتقال: من التصعيد إلى الانحسار
أعقب اعتقال إمام أوغلو موجة احتجاجات يومية في إسطنبول وعدد من المدن الكبرى، رغم فرض قيود رسمية على التظاهر. وكانت التجمعات المسائية الأكبر، وغالباً ما انتهت بمواجهات مع قوات مكافحة الشغب.
وقد أسفرت تلك التحركات عن حملة أمنية واسعة، تم خلالها توقيف نحو ألفي شخص، بينهم طلاب وصحفيون ومحامون.
ورغم تراجع زخم الاحتجاجات لاحقاً، واصل حزب الشعب الجمهوري تنظيم تجمعات سياسية في أنحاء البلاد، ما ساهم في تعزيز موقعه في استطلاعات الرأي.
تداعيات سياسية: ضغوط متزايدة على المعارضة
تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الضغوط القضائية التي طالت الحزب المعارض، خاصة بعد فوزه اللافت في الانتخابات المحلية السابقة. وتشير المعطيات إلى وجود خمسة عشر رئيس بلدية تابعين للحزب قيد السجن حالياً، في إطار ما تصفه المعارضة بحملة تضييق ممنهجة.
مستقبل إمام أوغلو: عقبات قانونية تعرقل الترشح
يرى محللون أن فرص إمام أوغلو في خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة باتت محدودة، حتى في حال تبرئته من تهم الفساد، وذلك بسبب دعوى أخرى تشكك في صحة شهادته الجامعية، وهي شرط دستوري للترشح للرئاسة في تركيا.
وفي ظل هذه المعطيات، يُرجّح أن يبرز زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزل كخيار بديل لتمثيل المعارضة في السباق الرئاسي، في حال استبعاد إمام أوغلو بشكل نهائي.
خلاصة
تكشف قضية أكرم إمام أوغلو عن تداخل عميق بين القضاء والسياسة في تركيا، وسط تصاعد الاستقطاب بين السلطة والمعارضة. ومع استمرار الضغوط القانونية، تبقى ملامح السباق الرئاسي المقبل مرهونة بتطورات هذا الملف المعقد.

