في خطاب حاد ألقاه زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي أمام كتلته البرلمانية، شنّ هجوماً لاذعاً على السفير الأمريكي في أنقرة والممثل الخاص لواشنطن في الملف السوري، متهماً إياه بالتدخل السافر في الشؤون الداخلية لتركيا بعد تصريحات أدلى بها في البحرين تحدث فيها عن “تعاون تركي ـ إسرائيلي يمتد من بحر قزوين إلى المتوسط”.
وبحسب الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد، لم يكن هذا الهجوم مجرّد ردّ وطني انفعالي، بل رسالة سياسية موجّهة نحو قلب منظومة الحكم، تعبّر عن احتدام الصراع بين مكوّنات التحالف الحاكم الذي يجمع الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية من جهة، وحزب الحركة القومية من جهة أخرى.
رمزية الغياب ومؤشرات الشرخ السياسي
تصاعدت مؤشرات التوتر بين الطرفين منذ غياب ممثلي حزب الحركة القومية عن احتفالات الجمهورية في التاسع والعشرين من أكتوبر، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها احتجاج سياسي صامت على توجهات القصر الرئاسي. ويرى عمر مراد أن هذه المقاطعة كشفت هشاشة “تحالف الجمهور” الذي شكّل لعقود مظلة لتوازن المصالح بين القوميين والإسلاميين، قبل أن يتآكل بفعل الحسابات المستقبلية لما بعد أردوغان.
مرحلة ما بعد أردوغان: صراع الرؤى والمصالح
تعيش أنقرة وفق تقدير مراد مرحلة إعادة تموضع داخل أروقة السلطة، في ظل تراجع شعبية الرئيس وحزبه الذي حلّ ثانياً في الانتخابات المحلية الأخيرة، وتزايد التساؤلات حول صحته وقدرته على إدارة المرحلة المقبلة. وبينما تتحرك النخب البيروقراطية القديمة لاستعادة نفوذها التاريخي، يسعى جناح العدالة والتنمية لتأمين استمرارية منظومة الحكم بما يضمن الحصانة لرموزه وشبكات المصالح المرتبطة به.
في نظر “الحرس القديم”، كان التحالف مع أردوغان خطوة تكتيكية لاستعادة مواقع الدولة التي فقدوها مع صعود الإسلام السياسي، إلا أنهم يعتبرون استمرار هيمنته تهديداً وجودياً لقيمهم الكمالية والعلمانية. أما دائرة الرئيس، فتخشى من المحاسبة والانكشاف بمجرد خروجه من المشهد، ما يدفعها إلى الدفاع عن فكرة “الخلافة السياسية” عبر شخصيات موالية، مثل وزير الخارجية الحالي هاكان فيدان.
تداعيات الاعتقالات على توازن التحالف
ويؤكد مراد أن التصدعات ازدادت مع اعتقال شخصيات محسوبة على الحركة القومية، من أبرزهم صلاح الدين يلماز، أحد الأسماء المرتبطة بالشبكات الإجرامية ذات الامتداد الحزبي، رغم دفاع بهجلي العلني عنه. كما شهدت الساحة أزمة أخرى بعد توقيف كنعان تكداغ، ممثل مجموعة “جان القابضة” الإعلامية المقرّبة من الحركة، ووضع مؤسساتها تحت الوصاية، في خطوة فسّرها المراقبون بأنها رسالة مباشرة إلى بهجلي نفسه.
من قبرص إلى واشنطن: التوتر يمتد إلى الملفات الخارجية
امتد الخلاف بين الطرفين إلى السياسة الخارجية، خاصة بعد زيارة أردوغان إلى واشنطن في سبتمبر ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبينما سعى الرئيس إلى ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة، خرج بهجلي بموقف متشدد وصف فيه واشنطن وتل أبيب بأنهما “رأس محور الشر”، داعياً إلى التوجه نحو روسيا والصين. وقد تعامل أردوغان مع التصريحات بتجاهل واضح، في مؤشر على اتساع الفجوة بين خطابه وخطاب حليفه القومي.
الأزمة بلغت ذروتها عقب الانتخابات الرئاسية في جمهورية شمال قبرص التركية في 19 أكتوبر، حين دعا بهجلي إلى رفض نتائج فوز طوفان إرهورمان ومطالبة البرلمان القبرصي بالانضمام إلى تركيا كـ”الولاية الثانية والثمانين”، بينما بادر أردوغان إلى تهنئة الفائز، متجاهلاً دعوات حليفه تماماً.
تغييرات في الأجهزة الأمنية واستياء قومي متصاعد
تزامناً مع ذلك، شهدت أجهزة الأمن التركية حملة تغييرات أُبعد خلالها عدد من الضباط المقرّبين من الحركة القومية، ما أثار موجة استياء في أوساطها الإعلامية والسياسية. ويشير مراد إلى أن هذه الإقالات عززت شعور القوميين بأنهم باتوا يُستبعدون تدريجياً من مواقع القرار، وهو ما يفسّر تصعيد بهجلي ضد السفير الأمريكي باعتباره تحذيراً لأردوغان أكثر من كونه رسالة للخارج.
الملف الكردي في قلب العاصفة
في خطابه ذاته، وجّه بهجلي انتقادات شديدة إلى مساعي وحدات حماية الشعب الكردية للاندماج في الجيش السوري ضمن “قوة مستقلة” يجري التفاوض بشأنها مع دمشق، واعتبرها محاولة لإحياء “الكيان الإرهابي” تحت غطاء جديد. المفارقة، كما يلفت مراد، أن بهجلي نفسه كان قد أبدى قبل أشهر انفتاحاً على فكرة دمج مقاتلي حزب العمال الكردستاني المنحل ضمن هيكلية خاضعة للرقابة، وهو ما اعتُبر آنذاك تماشياً مع توجه أردوغان لإعادة بناء الجسور مع واشنطن.
لكن تحوّل موقف بهجلي يعكس – بحسب مراد – إدراكه لتزايد خطورة التقارب التركي الأمريكي في الملف الكردي، لا سيما أن السفير الأمريكي يتوسط حالياً بين قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع، بهدف التوصل إلى اتفاق يمنح الأكراد حكماً ذاتياً شرق الفرات مقابل دمجهم في الجيش النظامي.
رهانات متضاربة بين واشنطن وأنقرة
ترى حكومة أردوغان في هذا الترتيب مخرجاً محتملاً لتثبيت الاستقرار في سوريا وتعزيز فرص استئناف مسار السلام الداخلي مع الأكراد، في حين يعتبره بهجلي تهديداً مباشراً للأمن القومي وخطراً على وحدة الأراضي السورية والتركية معاً.
ووفق تحليل عمر مراد، فإن رفض بهجلي لهذه الصيغة يضع أردوغان في مأزق دبلوماسي حاد، إذ قد يؤدي تمسكه بها إلى صدام مع واشنطن وإفشال تقاربه مع ترامب، كما قد يُفشل مساعيه الداخلية لإطلاق عملية سلام جديدة مع حزب العمال الكردستاني.
تصدّع التحالف وملامح نهاية التعايش السياسي
يرى مراد أن المشهد الراهن يُظهر بوضوح أن التحالف بين العدالة والتنمية والحركة القومية بات يقترب من نقطة اللاعودة. فالتباين بين “براغماتية أردوغان” و“تشدد بهجلي” تجاوز الخلافات التكتيكية ليصبح صراعاً على هوية الدولة ومسارها الاستراتيجي، في ظل تسارع الصراعات على مرحلة ما بعد الرئيس.
وما كان في الماضي تفاهم ضرورة لمواجهة المعارضة، تحوّل اليوم إلى منافسة داخلية على البقاء والوراثة السياسية، ما جعل الخطاب الخارجي مرآة للأزمة الداخلية من قبرص إلى سوريا.

