أثارت الاعتقالات الأخيرة التي طالت رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وأكثر من 100 شخص آخرين، بتهم تتعلق بالإرهاب والفساد، موجة واسعة من الإدانات الدولية، مما دفع المحللين والمراقبين إلى التأكيد على أن تركيا تمضي بسرعة نحو الاستبداد الكامل.
إمام أوغلو، الذي يُعد أبرز منافسي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اعتُقل يوم الأربعاء في حملة أمنية وُصفت بأنها ذات دوافع سياسية، مما استدعى ردود فعل قوية من الحكومات والمنظمات الحقوقية.
إدانة دولية واسعة
أدان مقرر البرلمان الأوروبي لشؤون تركيا، ناتشو سانشيز أمور، هذه الاعتقالات، محذرًا من أن البلاد “تتحرك بسرعة نحو دولة استبدادية كاملة”، مؤكدا أن حظر التظاهرات العامة وزيادة القيود القانونية مؤشر واضح على انحراف النظام التركي عن القيم الديمقراطية.
من جهتها، وصفت كاتي بيري، المقررة السابقة لشؤون تركيا في البرلمان الأوروبي، اعتقال إمام أوغلو بأنه “خطوة كبيرة نحو الحكم الاستبدادي الكامل”، داعية الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد الحكومة التركية.
رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أعربت عن “قلقها العميق” إزاء ما يحدث في تركيا، مشددة على ضرورة احترام الحقوق الديمقراطية، خاصة حقوق المسؤولين المنتخبين، مضيفة: “نريد لتركيا أن تبقى مرتبطة بأوروبا، لكن ذلك يتطلب التزامًا واضحًا بالقيم الديمقراطية.”
أما عضو البرلمان الأوروبي الهولندي، مالك عزماني، فقد اعتبر اعتقال إمام أوغلو “محاولة سياسية لضرب المعارضة”، مؤكدًا أن “هذه الأعمال المناهضة للديمقراطية غير مقبولة، خصوصًا لدولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.”
تأثير الاعتقالات على مستقبل الديمقراطية التركية
حذرت عدة دول ومنظمات حقوقية من أن هذه الاعتقالات قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على مستقبل الديمقراطية في تركيا. فقد اعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية أن “هذه الاعتقالات قد تترك آثارًا جسيمة على الديمقراطية التركية”، خصوصًا أنها تأتي قبل أيام من إعلان إمام أوغلو مرشحًا للانتخابات الرئاسية لعام 2028.
الحكومة الألمانية وصفت الاعتقالات بأنها “نكسة خطيرة للديمقراطية”، مشيرة إلى أن ما يحدث هو جزء من تصعيد متزايد للضغوط القانونية ضد إمام أوغلو، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كأكبر تحدٍّ لأردوغان.
على الصعيد الإقليمي، أعرب رئيس بلدية أثينا، هاريس دوكاس، عن تضامنه مع إمام أوغلو، معتبرًا اعتقاله “هجومًا مباشرًا على الديمقراطية”، فيما وصف زعيم المعارضة التركية، أوزغور أوزيل، هذه الاعتقالات بأنها “محاولة انقلاب ضد الرئيس القادم لتركيا”، داعيًا المعارضة إلى التكاتف في مواجهة هذا القمع.
تشابه مع ماضي أردوغان السياسي
المحلل السياسي ألكسندر كلاركسون أشار إلى مفارقة تاريخية مثيرة، حيث تذكّر أن أردوغان نفسه كان قد سُجن عندما كان رئيسًا لبلدية إسطنبول، ما أعطاه دفعة شعبية كبيرة ساعدته لاحقًا في الوصول إلى السلطة. وأضاف أن “الأنظمة الاستبدادية غالبًا ما تخلق أبطال المعارضة عبر القمع، وقد يكون إمام أوغلو أحدث مثال على ذلك.”
كما أكد المحلل سونر كاغبتاي أن “ما يحدث اليوم مع إمام أوغلو قد يكون تكرارًا لما حصل مع أردوغان في 1999، حينما تحولت محاكمته إلى نقطة انطلاقه السياسي.”
انتهاكات حقوقية مستمرة
منظمة هيومن رايتس ووتش وصفت الاعتقالات الأخيرة بأنها “انتهاك صارخ”، حيث قالت مديرة المنظمة في تركيا، إيما سنكلير-ويب، إن “هذه الاعتقالات تأتي ضمن نمط من التحقيقات ذات الدوافع السياسية الهادفة إلى القضاء على المعارضة.”
تحالف الديمقراطيين الأوروبيين ندد بما أسماه “تصعيدًا خطيرًا في حملة القمع”، مضيفًا أن “حجب وسائل التواصل الاجتماعي، وإغلاق محطات المترو، ومنع الاحتجاجات، كلها أساليب تُستخدم في الأنظمة الاستبدادية، وأوروبا لا يمكنها أن تبقى صامتة حيال ذلك.”
استمرار التحديات القانونية ضد إمام أوغلو
يواجه إمام أوغلو منذ سنوات ضغوطًا قانونية متزايدة تهدف إلى تقويض مستقبله السياسي. ففي عام 2022، صدر بحقه حكم بالسجن لأكثر من عامين بسبب مزاعم بإهانة مسؤولي الانتخابات، ورغم استئنافه للحكم، فإن القضية أدت إلى منعه من الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2023.
كما أُطلقت ضده تحقيقات جديدة تتعلق بالفساد خلال فترة توليه منصب رئيس بلدية بيليك دوزو، إضافة إلى اتهامات بدعم حزب العمال الكردستاني المحظور، وهي تهم يرى المراقبون أنها جزء من استراتيجية حكومية لإبعاده عن المشهد السياسي.
تركيا أمام مفترق طرق
تؤكد هذه التطورات أن تركيا تقف عند مفترق طرق حاسم، حيث يواجه النظام الحاكم تحديات داخلية ودولية بسبب سياساته القمعية. ومع استمرار التحركات القانونية والسياسية ضد إمام أوغلو والمعارضة بشكل عام، يتزايد القلق من أن البلاد تتحول بشكل متسارع إلى نموذج استبدادي، مما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان فيها.

