فتح تأكيد قضائي أوروبي جديد الباب أمام إعادة محاكمات واسعة في تركيا، وأعاد النقاش حول معايير العدالة بعد سنوات من الإجراءات الاستثنائية ضد من يُتهمون بالانتماء إلى حركة كولن، المعروفة بحركة الخدمة إعلاميا.
قرار نهائي يوسع نطاق الانتهاكات: 240 ملفاً تحت المجهر
أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً نهائياً يقضي برفض الطعن الذي تقدمت به الحكومة التركية ضد قرارها السابق في قضية “ديمرخان وآخرون ضد تركيا”، والذي تضمن إثبات انتهاكات جسيمة في 240 ملفاً قضائياً.
وبذلك أصبح القرار واحداً من أوسع الأحكام القضائية ضد تركيا منذ صدور حكم “يالجنكايا” الأول، الذي كان قد فتح الباب أمام إعادة النظر في مئات القضايا المتعلقة بالمحاكمات التي جرت بعد محاولة الانقلاب الغامضة عام 2016.
القرار الجديد يؤكد أن الأشخاص المدرجين ضمن هذه الملفات لهم الحق في طلب إعادة محاكمتهم خلال عام واحد استناداً إلى المادة 311/1-ف من قانون الإجراءات الجنائية التركي، ما يعني أن أبواب المحاكم الجنائية ستُفتح مجدداً أمام مئات المتهمين الذين أُدينوا سابقاً بناءً على أدلة وصفتها المحكمة بأنها “غير كافية وغير قانونية”.
حيثيات الإدانة: تجاوزات في تعريف الجريمة والأدلة
أوضحت المحكمة الأوروبية في حكمها أن مجموعة واسعة من الأدلة التي استخدمتها السلطات التركية لإدانة المواطنين لا يمكن أن تُعدّ مبرراً للعقوبة الجنائية.
وشملت هذه الأدلة استخدام تطبيقات مراسلة إلكترونية مثل “بايلوك”، وعضوية النقابات أو الجمعيات القانونية، والتعامل مع بنك “آسيا”، إلى جانب التبرعات والمشاركات في مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى الإقامة في سكن طلابي.
وأكدت المحكمة أن هذه الأنشطة، التي تندرج ضمن ممارسة الحريات المدنية المشروعة، لا يمكن اعتبارها دليلاً على الانتماء إلى تنظيم إرهابي.
وبذلك، يكون الحكم الجديد قد أعاد ترسيم الحدود الفاصلة بين النشاط الاجتماعي والمساءلة الجنائية، مؤكداً أن الدولة التركية تجاوزت المعايير الدولية في تطبيقها لمفهوم “الانتماء إلى جماعة إرهابية”.
انعكاسات القرار: موجة جديدة من إعادة المحاكمات
يُتوقع أن تترتب على القرار تداعيات قانونية واسعة داخل تركيا، إذ ستُحال مئات الملفات إلى المحاكم الجنائية لإعادة النظر فيها، فيما أُتيح للمحكومين التقدم بطلبات مراجعة أو تصحيح أحكامهم لدى النيابة العامة العليا أو محاكم الاستئناف.
كما يمكن للمحامين تقديم طلبات جديدة في القضايا التي ما تزال قيد النظر أمام المحاكم العليا، مع الاستناد إلى منطوق قرار المحكمة الأوروبية كدليل قانوني واجب التنفيذ.
ويشير خبراء قانونيون إلى أن هناك أكثر من تسعة آلاف ملف مشابه بانتظار البت فيها، ما يجعل هذا الحكم بمثابة سابقة قضائية ضخمة قد تغيّر مسار العدالة التركية في ملفات ما بعد الانقلاب.
بين ضغوط العدالة الأوروبية والتوازنات السياسية الداخلية
تسعى تركيا إلى ترميم صورتها الدولية وتحسين علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي ضمن ملفات الهجرة والطاقة، غير أن تجاهل تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية قد يضعها أمام أزمة دبلوماسية جديدة ويؤثر على مفاوضاتها السياسية والاقتصادية.
وفي المقابل، يقرأ بعض المراقبين القرار في سياق صراع داخلي بين ضرورات الأمن القومي ومتطلبات العدالة الدولية، خاصة مع استمرار أنقرة في تنفيذ حملات أمنية داخل مؤسساتها العلمية والعسكرية ضد من يُشتبه بانتمائهم إلى حركة كولن.
المشهد العام: بين العدالة المؤجلة وإرث ما بعد الانقلاب
قرار المحكمة الأوروبية الأخير لا يمثل مجرد تصحيح قانوني، بل إدانة مؤسسية لمنهج قضائي تبنّته الحكومة التركية على مدى عقد من الزمن، حيث جرى توسيع مفهوم “الإرهاب” ليشمل آلاف الأفراد دون أدلة ملموسة.
ومع أن الحكومة التركية تبرر ممارساتها بالحفاظ على الأمن والاستقرار، إلا أن تكرار الإدانات الأوروبية يثير تساؤلات جدّية حول مستقبل استقلال القضاء في البلاد.
الملف بات يتجاوز البعد القانوني ليأخذ أبعاداً سياسية وإنسانية، إذ إن إعادة المحاكمات ستشكّل اختباراً حقيقياً لنية أنقرة في العودة إلى المعايير الأوروبية، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والضغوط السياسية التي تواجهها داخلياً وخارجياً.

