في الآونة الأخيرة، تزايدت العمليات القضائية في تركيا، مما أثار انطباعًا قويًا حول ميل السلطة الحاكمة لاستخدام السلطة القضائية كأداة لتحقيق أجندتها السياسية.
في تقييمه الأخير للصحفي التركي روشان تشاكر، أكد عالم السياسة مُمتازر تركونه أن ميل أردوغان نحو الاستبداد أصبح أكثر وضوحًا، وأن آليات الرقابة الديمقراطية بدأت تتآكل بشكل متسارع. التدخل المباشر من قبل الرئيس التركي في هذه العمليات يعكس تدهور مبدأ استقلالية القضاء، ويظهر كيف يتم توجيه القضاء لتلبية أهداف السلطة السياسية.
وأشار تركونه إلى أن هذه العمليات تضعف مبدأ سيادة القانون وتؤدي إلى تقويض الثقة العامة، حيث إن تبني أردوغان لهذه العمليات شخصيًا يعكس انتهاكًا فعليًا للتمييز بين السلطتين التنفيذية والقضائية، مؤكدا أن العمليات التي وصفها أردوغان بـ “عملية التنظيف” تؤكد استخدام القانون كأداة سياسية.
الصمت اللافت داخل حزب العدالة والتنمية
يرى تركونه أن الصمت السائد داخل حزب العدالة والتنمية تجاه “عمليات أردوغان” يعتبر أحد الجوانب الملفتة للنظر في هذه العملية. لو كانت هذه العمليات جزءًا حقيقيًا من إصلاح قانوني، كان من المتوقع أن يدعم قادة الحزب والتنظيمات التابعة له هذه الإجراءات بقوة، محاولة إضفاء شرعية اجتماعية عليها. ومع ذلك، فإن الصمت الذي يلتزم به الحزب في هذا السياق، بل النقد الذي يبديه بعض النواب السابقين من صفوف الحزب، يؤدي إلى انطباع بأن هذه العمليات لا تعدو كونها تصفية حسابات سياسية. هذا يشير إلى تغيير في توازن القوى داخل الحزب، ويظهر أن الصراعات الداخلية قد بدأت تؤثر بشكل أكبر على استقرار الحزب.
مقاومة المعارضة والتحول في الرأي العام
أوضح تركونه أن المعارضة قد أظهرت مقاومة أكبر مما كان متوقعًا. على وجه الخصوص، أظهر رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل، ورئيس بلدية أنقرة منصور يافاش، موقفًا واضحًا ضد هذه العمليات، مما يدل على مقاومة المعارضة لهذه الإجراءات السياسية. ويعكس ذلك فشل استراتيجية أردوغان في تقسيم صفوف المعارضة، مما يزيد من غموض مستقبل المنافسة السياسية في تركيا.
أشار تركونه أيضًا إلى أن الرأي العام أصبح أكثر وعيًا وانتقادًا لهذه العمليات. حيث أصبح الشعب أكثر وعيًا بمحاولات السلطة للتحكم في وسائل الإعلام، وقد تحول الرأي العام إلى الاعتقاد بأن هذه العمليات ليست قضائية بل سياسية في جوهرها. وفي ظل ذلك، بدأ تأثير الخطاب الإعلامي الحكومي حول “عملية التنظيف” في التراجع، مما دفع الشعب إلى تبني وجهة نظر أكثر نقدًا وواقعية.
الأزمة الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي
في سياق متصل، أفاد تركونه أن الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعيشها تركيا قد تفاقمت جنبًا إلى جنب مع هذه العمليات القضائية، مما زاد من تعميق عدم الاستقرار السياسي. العمليات السياسية التي يقودها أردوغان، التي تتزامن مع تدهور الوضع الاقتصادي، أضافت حالة من الغموض في الأسواق وأدت إلى تراجع ثقة المستثمرين. زيادة الهشاشة الاقتصادية تفتح الباب لمزيد من الأسئلة حول مستقبل النظام السياسي في تركيا، وتشير إلى تآكل شرعية السلطة الحاكمة.
التحول من دكتاتورية الأغلبية إلى دكتاتورية الأقلية
أشار تركونه إلى نقطة هامة أخرى قائلا: “إن دكتاتورية الأغلبية في تركيا قد تحولت إلى دكتاتورية الأقلية…” مما يعكس الواقع المتزايد عن فقدان الدعم الاجتماعي الواسع لأسلوب حكم أردوغان، والتحول المحتمل نحو حكم أقلية. وبالتالي، قد تؤدي محاولة أردوغان للاستمرار في حكمه باستخدام الأدوات السياسية، بدلاً من الدعم الشعبي، إلى تقويض استقرار حكمه على المدى الطويل.
الاختلالات الداخلية في حزب العدالة والتنمية، والانخفاض الكبير في الدعم الحزبي، بالإضافة إلى التحديات التي يواجهها أردوغان في الحفاظ على شرعيته، تثير مخاوف جدية حول قدرة الحكومة على البقاء.
في هذا السياق، يرى تركونه أن أردوغان لن يحصل على دعم المؤسسة العسكرية بعدما فقدانه الشرعية، وأضاف: “القضاء التركي ليس بالكامل تحت سيطرة أردوغان، فعدد القضاة الذين يقومون بهذه العمليات السياسية ضد المعارضة لا يتجاوز المئة. أما القوى الأمنية، التي تقع تحت السيطرة السياسية، فأظهرت ضعفًا كبيرًا وعدم احترافية في التعامل مع الاحتجاجات، مما أدى إلى تصاعد غضب الناس بدلاً من كبحه”.
الاستنتاج
وفقا لتحليل تركونه، فإن العمليات القضائية الأخيرة في تركيا، بالإضافة إلى التغييرات في التوازنات السياسية، تؤكد تراجع الديمقراطية والتآكل التدريجي لآليات الرقابة. إن موقف حزب العدالة والتنمية، ومقاومة المعارضة، والتحولات في الرأي العام تشير إلى أن تركيا قد تكون في مفترق طرق حاسم بشأن مستقبلها السياسي. إن تحول “دكتاتورية الأغلبية” إلى “دكتاتورية الأقلية” يثير تساؤلات جدية حول الاستقرار السياسي في تركيا، ويعكس المخاطر الكبيرة التي تهدد استدامة حكم أردوغان في المستقبل.

