وصل سلطان عمان، هيثم بن طارق آل سعيد، يوم الاثنين، إلى العاصمة الروسية موسكو، في أول زيارة رسمية له إلى روسيا منذ اعتلائه العرش في يناير/كانون الثاني 2020، تلبية لدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتأتي هذه الزيارة، التي تستمر لمدة يومين، في سياق تأكيد حرص البلدين على تعميق التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكة في مختلف المجالات، في ظل ما يشهده العالم من تحولات جيوسياسية وتحديات متسارعة.
وفقا للتقرير الذي نشرته صحيفة “العرب”، تمثل هذه الزيارة نقلة نوعية في العلاقات بين مسقط وموسكو، وتجسّد رغبة عمان الاستراتيجية في تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح على القوى العالمية الفاعلة، وعلى رأسها روسيا، التي تعد فاعلاً محورياً في النظام الدولي، وذات حضور مؤثر في ملفات إقليمية ودولية عديدة.
مناسبة رمزية: 40 عاماً على العلاقات الدبلوماسية
تحمل الزيارة أيضاً طابعاً احتفالياً، إذ تتزامن مع مرور أربعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين سلطنة عمان والاتحاد السوفيتي السابق، في 26 سبتمبر/أيلول 1985، والتي استمرت وتطورت في عهد روسيا الاتحادية.
وأكدت وكالة الأنباء العمانية أن زيارة السلطان هيثم إلى موسكو تأتي في إطار تعزيز العلاقات التاريخية، وبحث سبل تطوير التعاون المشترك بما يخدم المصالح المتبادلة، بالإضافة إلى التشاور السياسي وتنسيق المواقف تجاه أبرز القضايا الإقليمية والدولية الراهنة.
توقيع 10 اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات متعددة
من أبرز مخرجات هذه الزيارة، التوقيع على عشر اتفاقيات ومذكرات تفاهم، تغطي مجالات حيوية ومتنوعة، من أبرزها الإعفاء المتبادل من تأشيرات الدخول لحملة الجوازات العادية بين البلدين؛ وبروتوكول إنشاء اللجنة العمانية الروسية المشتركة؛ واتفاقيات تعاون في قطاعات: الثروة السمكية، والتجارة، والإعلام، والمناخ، والدبلوماسية.
ومن المتوقع أن تُسهم هذه الاتفاقيات في فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والثقافي والتقني بين مسقط وموسكو، وتعزيز العلاقات المؤسسية بين الجهات المعنية في البلدين.
أبعاد سياسية وإستراتيجية للزيارة
اعتبر سفير سلطنة عمان في موسكو، حمود بن سالم آل تويه، أن هذه الزيارة تمثل خطوة تاريخية مهمة، تعكس رغبة القيادة العمانية في تعزيز الشراكة مع روسيا، والانخراط بفعالية في معالجة التحديات الدولية، لا سيما تلك المتعلقة بمنطقة الخليج.
وأشار السفير إلى أن اللقاء بين السلطان هيثم والرئيس بوتين يُشكّل “فرصة طيبة لتبادل وجهات النظر إزاء القضايا الإقليمية والدولية، ولترسيخ التعاون في مواجهة التحديات العالمية المتنامية”، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وتولي موسكو أهمية خاصة للدور العماني المتوازن في ملفات إقليمية حساسة، لا سيما الملف النووي الإيراني، حيث لعبت عمان دور الوسيط الموثوق بين واشنطن وطهران، واستضافت جولات من المحادثات غير المباشرة، وهو ما تحرص موسكو على دعمه وتطويره.
تبادل تجاري متصاعد واستثمارات متبادلة
على صعيد التبادل التجاري، بلغ حجمه في نهاية عام 2024 ما يزيد عن 346 مليون دولار أميركي (أكثر من 133 مليون ريال عماني). وتتمثل أهم الصادرات العمانية إلى روسيا في: الأسمدة المعدنية، ومنتجات النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، والألمنيوم، فيما تشمل الواردات الروسية إلى السلطنة: الحديد، القمح، الخضراوات، الفحم، وبعض الآلات الصناعية.
وتنخرط في الاقتصاد العماني حالياً 277 شركة ذات مشاركة روسية، تنشط في مجالات البناء، الاتصالات، تقنية المعلومات، الخدمات اللوجستية، والتجزئة، مما يعكس رغبة موسكو في توسيع استثماراتها في منطقة الخليج، واستفادة مسقط من الخبرات الروسية في قطاعات استراتيجية.
التعاون الثقافي والسياحي: جسر إنساني متين
شهدت العلاقات الثقافية بين البلدين تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، مدعومة بمبادرات مشتركة في مجالات التراث والمتاحف والتعليم، حيث نظمت عمان معارض في متاحف الإرميتاج وتريتياكوف، وشاركت في جهود الترميم وتبادل القطع الأثرية، ما يعزز الحوار الحضاري ويعمق التفاهم الثقافي بين الشعبين.
ووصف مدير متحف الإرميتاج، البروفيسور ميخائيل بيوتروفسكي، هذا التعاون الثقافي بأنه نموذج ناجح للدبلوماسية الثقافية في عالم متعدد الأقطاب، مشيداً بتجربة عمان وروسيا في هذا المجال.
على صعيد السياحة، زار عمان في عام 2024 أكثر من 44 ألف سائح روسي، في حين ارتفع عدد الزوار العمانيين إلى روسيا بنسبة 70٪ مقارنة بالعام السابق، ومن المنتظر أن يعزز الإعفاء المتبادل من التأشيرات هذا التوجه، ويزيد من معدلات التبادل السياحي بين الجانبين.
شراكة عسكرية وأمنية ذات أبعاد استراتيجية
عسكرياً، تربط السلطنة وروسيا اتفاقيات في مجالي الدفاع والأمن، وتشير تقارير إلى أن موسكو من بين أكبر مورّدي الأسلحة إلى سلطنة عمان، كما يتعاون البلدان في قضايا تتعلق بأمن الملاحة والطاقة.
وفي سياق تنويع مصادر الطاقة، تسعى عمان إلى تقليل اعتمادها على النفط الخام، وتعمل على استكشاف مجالات التعاون مع روسيا في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنى التحتية.
دبلوماسية متوازنة في ظل عالم متحوّل
تعكس زيارة السلطان هيثم إلى موسكو نضوجاً في الأداء الدبلوماسي العماني، وتؤكد أن السلطنة، التي عُرفت بحيادها البنّاء، تسعى إلى تحقيق التوازن بين القوى الدولية، مع الحفاظ على استقلال قرارها السياسي ومصالحها الوطنية.
وفي ضوء التوترات الدولية المتصاعدة، تمثل هذه الزيارة خطوة استراتيجية لعُمان لتعزيز مكانتها كوسيط موثوق وصوت عاقل في محيطها الإقليمي والدولي، وتسعى من خلالها إلى بناء تحالفات متوازنة تحقق الاستقرار والتكامل الاقتصادي والثقافي.
في المحصلة، تُعد زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى موسكو محطة مهمة في مسار العلاقات العمانية الروسية، ومرآة لتوجه السلطنة نحو بناء علاقات شراكة متنوعة الأبعاد، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتنسيق المتواصل. ويتوقع أن تشكل الاتفاقيات المزمع توقيعها خلال الزيارة ركائز قوية لتعاون طويل الأمد، يعزز من مكانة عمان الدولية، ويدعم استقرار منطقة الخليج والعالم.

