كشفت النيابة العامة في تركيا عن توجيه لائحة اتهام بحق 220 متهمًا ضمن شبكة منظمة مكوّنة من 35 شخصًا، استولوا على توقيعات إلكترونية لموظفين عموميين. وقد استُخدمت هذه التواقيع المُزورة لاختراق أنظمة حكومية حساسة في مجالات التعليم والتوظيف والمشتريات، مما مكّنهم من إصدار وثائق دولة حقيقية — مثل الشهادات الجامعية والتراخيص المهنية — لأفراد غير مؤهلين، على غرار مهندسين أو علماء نفس أو موظفين حكوميين.
اتهامات المعارضة: انهيار البنية الأمنية الرقمية
اتهمت أحزاب المعارضة من حزب الشعب الجمهوري وحزب الديمقراطية والتقدّم، وحزب االديمقراطية والمساواة للشعوب، الحكومة بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان بالتقصير أو التغطية على الأعمال الإجرامية، ما أدى إلى انهيار الأمان الرقمي في البلاد.
أعرب رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزجور أوزيل، أثناء تجمع انتخابي في توزلا، عن غضبه من صمت الحكومة المستمر منذ تسعة أشهر، قائلاً: “فساد حزب العدالة والتنمية يفيض على البلاد”، مشبّهًا الوضع بسلسلة من التناقضات الأمنية، لافتًا إلى أن القبض على عمدة من المعارضة بسبب ختم موثّق واجه اضطرابًا في حين أن الشبكة الإجرامية بقيت تحت الرادار.
تكلفة إنسانية واقتصادية
سلّط أوزيل الضوء على الأضرار الإنسانية الناجمة عن الفضيحة، مشيرًا إلى مئات من المتقدمين لشغل وظائف تعليمية فقدوا فرصهم بعدم تمكنهم من تلقي تعيينات رسمية رغم اجتيازهم الامتحانات. وأضاف: “السلطة منحت شهادات لأفراد لم يخضعوا لأي امتحان، بينما 300 معلم لم يتم تعيينهم أقدموا على الانتحار”، مبرزًا أن شهادات مزورة بيعت بمبلغ يصل إلى 250 ألف ليرة تركية.
تزوير المناصب الرسمية
أشار أوزيل إلى تقارير إعلامية تفيد بأن أحد المدمنين المدانين باعتراض ضبطه، قد استولى على توقيع إلكتروني لضابط شرطة، وبُرّئ صناعيًا كمُشرف على مكافحة المخدرات. وقال: “حولوه إلى رئيس فرع مكافحة المخدرات. الدولة لم تعد آمنة في أيديهم”.
رفض تحقيق رسمي وبرلماني
قدّم نواب من الحزب الكردي طلبًا لتشكيل لجنة تحقيقية برلمانية تشمل التحقيق المباشر في الجماعة الإجرامية المكونة من 35 شخصًا، وأيضًا دراسة نقاط الضعف الأمنية التي سمحت بالاقتحام، معتبرين أن الفضائح المتتالية تعكس انهيارًا مؤسساتيًا تحت حكم أردوغان، وأعربوا عن فقدان الثقة في نزاهة القضاء وإنفاذ القانون. لكن الطلب رفضه نواب التحالف الحاكم، حزب العدالة والتنمية والحركة القومية.
وتبيّن أن فضيحة الشهادات المزورة، التي هزّت تركيا كالقنبلة، قد جرى التغاضي عنها لسنوات. ففي عام 2022، قُدِّم مقترح برلماني حول “الشهادات المزورة” من قبل النائب عن حزب الشعب الجمهوري محمد غوزلمانسور وعدد من النواب، إلا أنه رُفض بأصوات نواب حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.
تصريحات علي باباجان: إفلاس البنية الرقمية
استنكر علي باباجان، رئيس حزب الديمقراطية والتقدّم، غياب أيّ استقالة من المسؤولين رغم حجم الكارثة. وقال في لقاء مع“Halk TV”: “الموضوع لا يقتصر على الشهادات المزيفة فقط، بل يتعلق بسرقة وبيع البيانات الشخصية، من أرقام الهوية إلى العناوين والسجلات الصحية. الدولة فشلت في حماية هوية مواطنيها الرقمية.” وطالب بحظر نهائي على الدخول إلى أنظمة الحكومة الرقمية لكل من أشرف أو تهاون في حمايتها، وأرجع المسؤولية إلى التمركز الشديد للسلطة في يد أردوغان منذ 2018.
رد الحكومة: تحرك محدود
أوضح نائب وزير النقل والبنية التحتية، عمر فاتح سايان، أن السلطات تفاعلت سريعًا فور اكتشاف الانتهاكات في أوائل 2024، حيث جرى إلغاء 44 توقيعًا إلكترونيًا مُدوّنًا بهويات مزيفة، وأُمر مقدمو الخدمة بتعليق التوقيع الإلكتروني الحسي. لكنه دافع عن نفسه بعد تضارب مزاعم حول شهاداته الأكاديمية، واصفًا النقد بأنه “خبيث وغير مسنود بالمعلومات“.
اجتياح شامل للبنية التحتية السيبرانية
من جهة أخرى، وصف أميت أوزداغ، زعيم حزب النصر اليميني، الفضيحة بأنها “هجوم عميق على البنية السيبرانية لجمهورية تركيا”، محذرًا من أن “الجهاز العصبي للدولة قد تم اختراقه”، مشيرًا إلى أن التزوير طاول المناقصات العامة وقواعد بيانات المواطنين ومختلف الوثائق التشغيلية للدولة.

