يطرح حضور” الخِضْر” في الفكر الحديث سؤالًا يتجاوز الرمز الديني إلى صلب الإشكال المعرفي المعاصر: هل الخِضْر مجرد صورة نفسية تتشكل داخل الوعي الإنساني، أم أنه دليل روحي يتجاوز الإنسان ويهديه من خارج حدوده؟
وفق قراءة الباحث الأكاديمي التركي أيدوغان وطنداش، فإن هذا السؤال ليس لاهوتيًا صرفًا، بل يحدد طريقة فهم الوحي نفسه: هل يُقرأ بوصفه تجربة داخلية إنسانية، أم يُفهم باعتباره تجليًا إلهيًا يتجاوز الذات ويظهر فيها في آن واحد؟
الخِضْر بين علم النفس والأنطولوجيا
يبرز هذا الجدل بوضوح في المقارنة التي قدّمتها الباحثة دانييلا بوكاسيني حول مقاربتي كارل غوستاف يونغ وهنري كوربان لشخصية «الأخضر» أو الخِضْر.
يشرح أيدوغان وطنداش أن يونغ تعامل مع الخِضْر باعتباره مظهرًا من مظاهر «الأرشيتيب»، أي صورة نمطية راسخة في اللاوعي الجمعي، وتحديدًا امتدادًا لـ«نمط الشيخ الحكيم». في هذا الإطار، يظهر الخِضْر كقوة داخلية مقلقة، تزعزع استقرار الوعي وتدفع الفرد قسرًا نحو التحول، لا بوصفه كائنًا مستقلًا، بل كوظيفة نفسية كامنة.
في المقابل، يرى هنري كوربان الخِضْر ككائن أنطولوجي حقيقي ينتمي إلى عالم «المثال» أو «العالم المتخيَّل» بالمعنى الفلسفي، لا النفسي. هذا العالم، بحسب كوربان، ليس وهمًا ولا إسقاطًا ذاتيًا، بل مستوى من الوجود يتوسط بين الحس والمطلق، وتتحقق فيه الهداية الإلهية بصورة متجددة.
الوحي: تجربة داخلية أم تجلٍّ متعالٍ؟
يربط أيدوغان وطنداش هذا الخلاف بما هو أوسع من شخصية الخِضْر، معتبرًا أن جوهر المسألة يتعلق بتعريف الوحي ذاته. فالمقاربة التي ترى الوحي كتجربة داخلية تاريخية، كما عند بعض قراءات الحداثة الإسلامية، تلتقي بنيويًا مع فهم يونغ للخِضْر بوصفه ظاهرة نفسية. في المقابل، تؤكد القراءة الصوفية التي يستند إليها كوربان، خصوصًا عبر ابن عربي، أن الوحي فعل إلهي يتجاوز الإنسان، لكنه لا يظهر إلا فيه ومن خلاله، بوصفه تجليًا لا اختزالًا.
لقاء إيرانوُس: تقاطع لا مصالحة
يشير وطنداش إلى أن العلاقة بين يونغ وكوربان لم تكن علاقة تلاقٍ هادئ، بل جدل دائم. فقد التقيا في محيط إيرانوُس الفكري في منتصف القرن العشرين، وكتب كوربان قراءة نقدية معمقة لكتاب يونغ “الجواب على أيوب”. رغم الاحترام المتبادل، بقي الخلاف جوهريًا: يونغ يرفض الاعتراف بعالم مستقل خارج النفس، بينما يصر كوربان على أن عالم المثال يتمتع بوجود حقيقي لا يمكن رده إلى البنية النفسية.
الخِضْر ككاسر للنظام
في القراءة اليونغية، لا يقتصر دور الخِضْر على الإرشاد، بل يتجلى كقوة صادمة تكسر التوازن القائم. هو شخصية تتدخل فجأة، تخرق القواعد، وتدفع الفرد إلى مواجهة ما لا يريد مواجهته.
هذا البعد التخريبي، كما يراه وطنداش، يجعل الخِضْر عند يونغ رمزًا للتحول القسري الذي يفرضه اللاوعي حين تصل البنية النفسية إلى طريق مسدود.
الخِضْر كدليل أنطولوجي حي
أما عند كوربان، فالأمر مختلف جذريًا. الخِضْر ليس صورة ولا رمزًا، بل «حقيقة هادية» تتجدد باستمرار. تسميته بـ«الأخضر» تعكس الحياة الدائمة وعدم التقادم. الخِضْر هنا ليس داخل الإنسان ولا خارجه بالمعنى المكاني، بل في مستوى وجودي يتقاطع فيه الإلهي والإنساني دون أن يذوب أحدهما في الآخر.
التجلي الإلهي ومسؤولية الإنسان
يوضح أيدوغان وطنداش أن مفهوم «التجلي» عند كوربان، المستمد من ابن عربي، يقوم على أن الله متعالٍ في ذاته، لكنه ظاهر بأسمائه وصفاته. هذا الظهور لا يتم في الفراغ، بل يحتاج إلى إنسان قادر على تلقيه. الإنسان، في هذا السياق، لا يصنع التجلي ولا يتخيله، بل يتهيأ له. وهنا يصبح الخِضْر تجسيدًا لوظيفة كونية: الإرشاد عند نقطة التقاء العقل والكشف، دون أن يلغي أحدهما الآخر.
العقل والكشف: جدل ابن رشد وابن عربي
يعيد وطنداش قراءة الحوار الشهير بين ابن رشد وابن عربي بوصفه خلفية فلسفية لهذا الجدل.
العقل، وفق ابن رشد، قادر على بلوغ الحقيقة عبر المنهج. أما ابن عربي فيرى أن هناك معرفة تُفتح ولا تُستنتج. الخلاف ليس في قيمة العقل، بل في حدوده. هذا التوتر ذاته يتكرر في جدل يونغ وكوربان: الأول يثق بالبنية النفسية، والثاني يؤكد على أفق أنطولوجي أوسع.
الخِضْر بوصفه حالًا لا شخصًا
يذهب أيدوغان وطنداش خطوة أبعد، مقترحًا فهم الخِضْر لا كشخصية تاريخية ولا حتى ككائن محدد، بل كـ”حال وجودي”. في هذا الفهم، الخِضْر هو اسم للحظة يبلغ فيها الوعي درجة من الصفاء والتسليم، فتغدو القوانين المعتادة للزمن والسببية أقل صلابة. هنا لا يعود الخِضْر رمزًا نفسيًا، ولا مجرد دليل، بل مبدأ يحكم اشتغال الوجود عند بلوغ هذا الأفق.
بين يونغ وكوربان: أين يقف هذا الفهم؟
يؤكد وطنداش أن هذا التصور لا ينسجم مع الإطار اليونغي، لأنه يتجاوز النفس إلى بنية الوجود نفسه. لكنه في الوقت ذاته يقترب من كوربان، مع توسيع أفقه باتجاه فهم ديناميكي للعملية الأنطولوجية، لا بوصفها حدثًا ميتافيزيقيًا ثابتًا، بل مسارًا متجددًا.
خلاصة
يرى أيدوغان وطنداش أن الخِضْر يشكل نقطة اختبار كبرى للفكر الحديث بين الاختزال النفسي والتوسيع الأنطولوجي. وفي هذا التوتر، لا يظهر الخِضْر كرمز ولا كأسطورة، بل كإشكالية حية تكشف حدود العقل، وإمكانات التجلي، ومسؤولية الإنسان في استقبال المعنى.

