اعتبر مقرر البرلمان الأوروبي المعني بملف تركيا، ناتشو سانشيز أمور، أن البلاد تمرّ بأسوأ مراحل التراجع الديمقراطي في تاريخها الحديث، مؤكداً أن هذا الانحدار بلغ مستويات غير مسبوقة خلال العام الأخير، خصوصاً في مجالات سيادة القانون والمعايير الأساسية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أن العملية السياسية تتجه نحو مزيد من التضييق على المعارضة ووسائل الإعلام، في ظل تجميد فعلي لمسار انضمام أنقرة إلى الاتحاد.
الضغط على المعارضة وتدهور الحريات
أوضح أمور أن العام المنصرم شهد تصاعداً في الضغوط على رؤساء البلديات المنتمين لحزب الشعب الجمهوري المعارض وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد، لافتاً إلى أن اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو شكّل علامة فارقة في هذا التدهور. كما انتقد ما وصفه بـ”النموذج الروسي” في السيطرة على المجتمع، من خلال استحواذ الحكومة على وسائل الإعلام وتعيين أوصياء لإدارتها، إضافة إلى تزايد ملاحقة الصحفيين واستهدافهم قضائياً.
القضاء وملف الفتيات القاصرات
توقف أمور عند ما بات يُعرف بـ”قضية الفتيات”، التي مثّلت نموذجاً صارخاً لتدهور العدالة في تركيا، حيث حوكمت فتيات تتراوح أعمارهن بين الثالثة عشرة والرابعة عشرة بتهم إرهاب على خلفية أنشطة دينية وتعليمية عادية مرتبطة بحركة الخدمة.
وقد شملت القضية واحداً وأربعين امرأة وفتاة، من بينهن أربع عشرة قاصرة، بتهم مستندة إلى ممارسات مثل دراسة القرآن، والصلاة، والمشاركة في دروس تقوية، وحضور لقاءات اجتماعية. وأصدرت محكمة في إسطنبول أحكاماً بحق تسع عشرة متهمة في سبتمبر الماضي، ما أثار موجة انتقادات داخلية ودولية حول استقلال القضاء.
خلفية الصراع مع حركة الخدمة
يرجع التصعيد ضد حركة الخدمة إلى ما بعد تحقيقات الفساد التي تفجرت في ديسمبر 2013، والتي طالت مقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان. ومنذ ذلك الحين، صنّفت الحكومة الحركة كتنظيم إرهابي في مايو 2016، وشنّت حملة اعتقالات موسعة ضد أعضائها وأنصارها عقب محاولة الانقلاب الغامضة في يوليو من العام ذاته، والتي حمّل أردوغان مسؤوليتها للراحل فتح الله كولن.
انهيار مبدأ فصل السلطات
انتقد أمور بشدة الصراع القائم بين المحكمة الدستورية والمحاكم الأدنى، معتبراً أن الحكومة هي التي مهدت الطريق لهذا الوضع عبر رفضها تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وأشار إلى أن المحاكم المحلية بدأت تتجاهل قرارات المحكمة الدستورية نفسها، ما أدى إلى تقويض سلطتها بشكل كامل. هذا الوضع، وفق مراقبين، يعكس غياب الفصل بين السلطات في البلاد وتحول القضاء إلى أداة في يد السلطة التنفيذية.
تسييس القضاء وتجميد مسار الانضمام
اتهم أمور الحكومة بعدم محاسبة القضاة والمدعين الذين يتصرفون وفقاً لتوجهات الحزب الحاكم، مشيراً إلى أن النيابة العامة في إسطنبول أصبحت نموذجاً واضحاً لتسييس العدالة. وأكد أنه لم يعد ممكناً وصف تركيا بأنها دولة يحكمها القانون، ولا يمكن الحديث بجدية عن استمرار عملية انضمامها للاتحاد الأوروبي. وبيّن أن قادة الاتحاد باتوا ينظرون إلى أنقرة كشريك استراتيجي فقط، لا كدولة مرشحة للعضوية.
مستقبل العلاقات بين أنقرة وبروكسل
شدد المقرر الأوروبي على أن الحكومة التركية مطالبة بتحديد خيارها الاستراتيجي بين التوجه نحو الاتحاد الأوروبي أو الاكتفاء بالتعاون الأمني والاقتصادي. وأوضح أن التعاون الجاري يشمل مجالات مثل تحديث الاتحاد الجمركي وتحرير التأشيرات وإدارة ملف الهجرة والمشاركة في إعادة إعمار غزة، غير أن هذه الملفات تقع في إطار الشراكة الجوارية، لا في سياق العضوية الكاملة. وأكد أن الاتحاد الأوروبي يظل “نادياً للديمقراطيات” يقوم على استقلال القضاء وحرية الصحافة واحترام الحقوق الأساسية، لا على القوة العسكرية أو التفاهمات الأمنية.

