بقلم: ياوز أجار
تشهد الساحة السورية إعادة تشكّل دقيقة لموازين القوى، مع انتقال الصراع من مرحلة النزاع العسكري المفتوح إلى مرحلة إعادة هندسة السلطة. وفي هذا السياق، تبرز قضية اندماج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية بوصفها اختباراً حقيقياً لقدرة البلاد على الانتقال من واقع التفكك إلى صيغة دولة مركزية معاد ترميمها.
في قلب هذا التحول يقف مظلوم عبدي، قائد “قسد”، أمام معادلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية: تنفيذ اتفاق الاندماج الموقع مع دمشق، أو الاستمرار في الدفاع عن صيغة حكم محلي تعكس تطلعات قطاع واسع من القاعدة الشعبية الكردية.
اتفاق يناير: بين النص السياسي وتعقيدات التطبيق
الاتفاق المبرم في أواخر يناير جاء بعد استعادة الحكومة السورية مساحات واسعة في الشمال والشرق، ونصّ على دمج ما تبقى من مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن هياكل الدولة. عملياً، اقتصر التنفيذ على نشر وحدات أمنية سورية في مركزي الحسكة والقامشلي، فيما بقيت القضايا الجوهرية معلّقة، وفي مقدمتها تسليم الإدارة المدنية والأمنية بالكامل، ودمج التشكيلات العسكرية الكردية ضمن الجيش السوري.
الجمود في تنفيذ البنود يعكس تعقيدات تتجاوز الإجراءات التقنية. فعملية الدمج تعني تفكيك بنية مؤسساتية نشأت خلال أكثر من عقد من الحرب، وامتلكت منظومتها الأمنية والاقتصادية الخاصة، بما في ذلك السيطرة على موارد استراتيجية مثل النفط والزراعة والمعابر. إعادة توزيع هذه الموارد تمثل أحد أكثر الملفات حساسية، لأنها تمس مصادر النفوذ الفعلي على الأرض.
خطاب “الحكم المحلي”: إعادة صياغة أم إعادة تفاوض؟
في تصريحات أعقبت مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن، شدد عبدي على أن مطلب الأكراد يتمثل في “حكم محلي لا مركزي تحت أي مسمى”، مؤكداً أن جوهر الخلاف مع دمشق يتعلق بالمصطلحات لا بالمضمون. وأوضح أن الهدف هو تمكين سكان شمال شرقي سوريا من إدارة شؤونهم الإدارية والخدمية والأمنية ضمن إطار الدولة، من دون المساس بوحدة الأراضي السورية.
هذا الطرح جاء بعد نفي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وجود مطالب بالحكم الذاتي، في إشارة إلى تمسك دمشق بصيغة اندماج كاملة غير مشروطة.
سياسياً، يمكن قراءة تصريحات عبدي بوصفها محاولة لإعادة تعريف المطالب الكردية بلغة أقل استفزازاً للمركز، لكنها في الوقت ذاته تعكس رغبة في تثبيت مكاسب الإدارة الذاتية ضمن إطار دستوري جديد. غير أن الاتفاق الأصلي لم يتضمن أي إشارة إلى حكم محلي موسع، ما يفتح الباب أمام تأويلات متباينة حول حدود الالتزام.
الحسابات الأميركية: أولوية الاستقرار على حساب الطموحات المحلية
الموقف الأميركي يشكل عاملاً حاسماً في المعادلة. فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن بلاده اختارت العمل مع الحكومة السورية والرئيس أحمد الشرع لتجنب تفكك البلاد وانزلاقها إلى فوضى طويلة الأمد. وأكد أن البديل كان يتمثل في تشظي سوريا إلى كيانات متعددة، بما يحمله ذلك من عودة محتملة لتنظيم داعش، وفراغ أمني، وتصاعد نفوذ إقليمي مضاد.
هذا التصريح يوضح أن واشنطن لا تعتزم دعم أي صيغة قد تُفسَّر على أنها تقويض لوحدة الدولة السورية. بالنسبة لـ“قسد”، التي كانت الشريك المحلي الأبرز للتحالف الدولي ضد “داعش”، يمثل ذلك تحوّلاً نوعياً في البيئة الاستراتيجية: من شراكة عسكرية مفتوحة إلى دعم مشروط بإطار الدولة المركزية.
كما أشار روبيو إلى أن تنفيذ الاتفاقات لن يكون سهلاً، وأن ثمة تفاهمات إضافية مطلوبة مع مكونات سورية أخرى، من دروز وبدو وعلويين، في بلد شديد التنوع. هذه الإشارة تعكس إدراكاً أميركياً بأن إعادة بناء الدولة السورية لن تنجح من دون تسوية شاملة تعيد دمج الأطراف كافة.
معادلة دمشق: الشراكة أم فرض الأمر الواقع؟
وصف وزير الخارجية السوري “قسد” بالشريك لا بالعدو، عقب لقاءات خارجية حضرها مسؤولون غربيون. إلا أن مفهوم “الشراكة” هنا يبدو انتقالياً، ومشروطاً بقبول الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة.
من منظور دمشق، يشكل أي اعتراف بصيغة حكم محلي موسع سابقة دستورية قد تطالب بها مناطق أخرى. لذلك تبدو القيادة السورية حذرة من تثبيت نموذج يُفسَّر كخطوة نحو فيدرالية سياسية أو إدارية واسعة.
في المقابل، تدرك دمشق أن اللجوء إلى القوة لإجبار “قسد” على التنفيذ الكامل سيحمل كلفة سياسية وأمنية عالية، خصوصاً في منطقة لا تزال تضم خلايا نائمة لتنظيم داعش، وتحتاج إلى استقرار أمني هشّ.
الأبعاد الإقليمية: تركيا وإعادة رسم الحدود غير المعلنة
لا يمكن فصل هذا الملف عن الموقف التركي، إذ تنظر أنقرة إلى أي كيان إداري كردي على حدودها الجنوبية باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ومع تحسن قنوات التنسيق بين أنقرة ودمشق في المرحلة الأخيرة، تتزايد احتمالات وجود تفاهمات ضمنية حول تقليص هامش الحكم الذاتي الكردي.
هذا العامل يضغط إضافياً على القيادة الكردية، التي تجد نفسها محاصرة بين مركز سوري يسعى لاستعادة سلطته الكاملة، وبيئة إقليمية غير متحمسة لأي نموذج إداري مستقل.
اللامركزية كحل وسط: خيار نظري أم تسوية واقعية؟
من الناحية الدستورية، يمكن أن تشكل اللامركزية الإدارية الموسعة صيغة وسطى تسمح بإدارة محلية فعالة، مع بقاء السيادة والقرار العسكري والموارد الاستراتيجية بيد المركز. غير أن نجاح هذا النموذج يتطلب تعديلات دستورية واضحة، وضمانات قانونية، وآليات رقابة متبادلة، وهي عناصر لم تتبلور بعد.
بالنسبة لمظلوم عبدي، يبدو أن الرهان يتمثل في تثبيت أكبر قدر ممكن من الإدارة المحلية ضمن صيغة الدولة الموحدة. أما بالنسبة لدمشق، فالهدف هو استعادة وحدة القرار والسيطرة المؤسسية. وبين هذين الهدفين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
خلاصة
تتجاوز أزمة اندماج “قسد” في الدولة السورية مسألة المصطلحات، لتلامس جوهر إعادة بناء السلطة بعد الحرب. وفي ظل تراجع الدعم الدولي لأي مشاريع شبه مستقلة، تبدو الخيارات أمام القيادة الكردية أضيق من أي وقت مضى، فيما تسعى دمشق لترسيخ مركزية الدولة دون فتح الباب أمام سوابق دستورية واسعة.

