دخلت قضية جيفري إبستين مرحلة جديدة داخل تركيا، بعدما باشرت النيابة العامة في أنقرة تحقيقًا رسميًا حول مزاعم بوجود صلات تركية محتملة بشبكة الاستغلال الجنسي التي ارتبطت باسمه.
الخطوة جاءت في أعقاب تصريحات سياسية أثارت جدلًا واسعًا حول وثائق أميركية حديثة تضم إشارات إلى فتيات يُعتقد أنهن نُقلن من تركيا إلى جزيرة إبستين.
شرارة التحقيق: ادعاءات برلمانية ووثائق أميركية
التحقيق أُطلق في أواخر ديسمبر عقب تصريحات علنية لنائب معارض بارز، قال فيها إن سجلات صادرة عن وزارة العدل الأميركية تضمنت مزاعم تفيد بأن فتيات من تركيا نُقلن إلى الجزيرة، وأن بعضهن واجهن صعوبات بسبب عدم إتقان اللغة الإنجليزية. هذه التصريحات دفعت الادعاء العام إلى فحص شامل للأقسام المرتبطة بتركيا ضمن ملايين الوثائق التي أُفرج عنها مؤخرًا.
مراجعة ضخمة للوثائق والبحث عن خيوط داخلية
النيابة تركز حاليًا على مراجعة أجزاء واسعة من الأرشيف الأميركي المنشور، والذي يضم ملايين الصفحات والصور ومقاطع الفيديو، بحثًا عن أسماء أو وقائع قد تشير إلى مشتبه بهم أو روابط محتملة داخل تركيا. وتُجرى هذه المراجعة في ظل تعقيدات تقنية، نظرًا لكون عدد كبير من الوثائق مضمّنًا داخل ملفات غير قابلة للبحث الإلكتروني بسهولة.
ملف سابق أُغلق… ثم أُعيد فتحه
التحقيق الحالي يأتي بعد إغلاق ملف سابق في منتصف عام 2025، كان قد فُتح بناءً على شكوى تقدمت بها منظمة مجتمع مدني تُعنى بحقوق النساء والأطفال. حينها، خلص الادعاء إلى عدم وجود أدلة تثبت ارتكاب جرائم داخل الأراضي التركية، وأصدر قرارًا بعدم الملاحقة.
وخلال ذلك المسار، استُمع إلى شهادة امرأة تقيم في الولايات المتحدة ورد اسم مشابه لاسمها في الشكوى، نفت خلالها أي صلة بالقضية، وقدمت مستندات قضائية أميركية دعمت روايتها.
اعتراضات قانونية ودعوة لتحقيق أوسع
محامية المنظمة الحقوقية اعتبرت أن التحقيق السابق اقتصر على اسم واحد ولم يشمل تحريات أوسع كان يمكن للادعاء القيام بها من تلقاء نفسه. وأكدت أن الجرائم المرتبطة بالاتجار بالبشر واستغلال الأطفال غالبًا ما تتم عبر شبكات منظمة، ولا يمكن كشفها إلا من خلال تحقيقات معمّقة تتجاوز الأدلة الأولية.
كما شددت على التزامات تركيا الدولية، ولا سيما بموجب اتفاقية حقوق الطفل، معتبرة أن وجود شبهة جدية يفرض التحرك القضائي حتى قبل اكتمال الأدلة النهائية.
البرلمان يدخل على الخط… دون نقاش بعد
على الصعيد السياسي، تقدمت نائبة من حزب المعارضة الرئيسي بمقترح برلماني في مطلع عام 2024 يدعو إلى التحقيق في أي امتدادات تركية محتملة للقضية، معتبرة أن الملف لا يخص الولايات المتحدة وحدها، بل يكشف شبكة مظلمة عابرة للحدود. ورغم مرور وقت طويل، لم يُدرج المقترح بعد على جدول أعمال البرلمان.
جدل اجتماعي حول اختفاء الأطفال
إعادة فتح القضية أعادت إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول اختفاء الأطفال في تركيا، خاصة في أعقاب زلزال عام 1999 المدمر في شمال غرب البلاد. ومع تصاعد الادعاءات على وسائل التواصل الاجتماعي، تدخل مركز مكافحة التضليل الرسمي لينفي أرقامًا متداولة عن أعداد ضخمة من الأطفال المفقودين، موضحًا أن الإحصاءات الرسمية تتعلق بحالات بلاغات اختفاء انتهت بالعثور على الأطفال لاحقًا، ولا توجد بيانات رسمية تحت تصنيف “مفقودين ولم يُعثر عليهم”.
أسماء ومؤسسات في قلب التسريبات
الوثائق الأميركية أعادت طرح أسماء وشركات تركية في سياقات مختلفة. فقد ظهر اسم الرئيس التنفيذي لمجموعة إعلامية واقتصادية مقربة من الحكومة ضمن مراسلات إلكترونية تعود إلى عام 2004 مع غيسلين ماكسويل، الشريكة المقربة من إبستين. المعني نفى أي شبهة، واعتبر أن مضمون الرسائل أُسيء تفسيره خارج سياقه.
كما كشفت رسائل أخرى عن تواصل صحافي أميركي وعضو سابق في مجلس أمناء مدرسة عريقة في إسطنبول مع إبستين عام 2014، في إطار بحث عن دعم مالي. المدرسة أوضحت لاحقًا أن الشخص لم يكن موظفًا لديها، وأنها لم تتلقَ أي تبرعات من إبستين أو من جهات مرتبطة به.
قطاع السياحة تحت المجهر
التسريبات شملت أيضًا مراسلات تتعلق بترتيبات تدريب مهني قصيرة في منتجع سياحي فاخر بمدينة أنطاليا، لامرأة وُصفت بأنها تعمل كمدلّكة شخصية في منتجع خاص بإبستين. إدارة الفندق أكدت أن الأمر اقتصر على تبادل معلومات ضمن إطار تدريب مهني اعتيادي، وأن الإجراءات تمت وفق القوانين والمعايير الأخلاقية المعمول بها في قطاع السياحة الدولي.
تداعيات دولية متسارعة
الدفعة الجديدة من الوثائق لم تقتصر آثارها على تركيا، بل أحدثت ارتدادات سياسية ومؤسسية في دول أوروبية عدة، حيث قُدمت استقالات رسمية، وأُصدرت اعتذارات علنية، وأُعيد فتح مراجعات شرطية بشأن علاقات شخصيات سياسية ودبلوماسية بإبستين.
هذه التطورات عززت الشكوك القديمة حول الطريقة التي مكّنت إبستين من الوصول إلى دوائر المال والسياسة، وسط اتهامات متجددة له بإدارة شبكة ابتزاز قائمة على الاستغلال الجنسي.
إرث لم يُغلق بوفاته
رغم وفاة إبستين داخل محبسه عام 2019 قبل محاكمته، فإن القضايا المدنية والتحقيقات الجنائية المرتبطة بشبكته لم تتوقف. كما أن إدانة شريكته غيسلين ماكسويل وسجنها أعادا تسليط الضوء على حجم الشبكة وتعقيداتها، في وقت لا تزال فيه الأسئلة الكبرى بلا إجابات حاسمة.
الخلاصة
إعادة فتح التحقيق في تركيا تعكس اتساع دائرة التدقيق الدولي في ملف إبستين، وتضع السلطات أمام اختبار قانوني وأخلاقي حساس. ومع تدفق الوثائق الجديدة، يبقى تحديد الحقيقة مرهونًا بقدرة التحقيقات على تجاوز الأسماء الفردية نحو كشف أي شبكات محتملة.

