حلّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة السعودية الرياض في زيارة هي الأولى له منذ أكثر من عامين، في مؤشر واضح على انتقال العلاقات التركية–السعودية من مرحلة الخصومة الحادة إلى مسار تقارب محسوب، فرضته تحولات إقليمية متسارعة وحسابات سياسية واقتصادية متشابكة.
الزيارة، التي تأتي بعد سنوات من التوتر العميق، تعكس رغبة متبادلة في تثبيت مسار استعادة العلاقات، بعد أن نجحت الدولتان خلال الفترة الماضية في إعادة فتح قنوات التنسيق والتعاون في ملفات إقليمية حساسة.
لقاء مرتقب مع ولي العهد ومضمون مفتوح
من المقرر أن يلتقي أردوغان بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في أول زيارة رسمية له إلى المملكة منذ يوليو 2023، حين قاد جولة خليجية ركّزت على جذب الاستثمارات ودعم الاقتصاد التركي.
ورغم غياب إعلان رسمي مفصل حول جدول الأعمال، فإن التوقعات تشير إلى مناقشة سبل تعميق التعاون الثنائي، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن تطورات إقليمية ودولية، في ظل تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط وتداخل مساراتها.
تقاطعات إقليمية: غزة وسوريا في صلب التقارب
التقارب التركي–السعودي لم يعد مقتصرًا على إعادة العلاقات الثنائية، بل تمدد ليشمل تنسيقًا سياسيًا في ملفات إقليمية بارزة، أبرزها دعم غزة في ظل الحرب المستمرة، والتعامل مع المشهد السوري الجديد بعد الإطاحة ببشار الأسد في عام 2024.
هذا التقاطع في المواقف منح العلاقات بعدًا عمليًا، وفتح المجال أمام تفاهمات تتجاوز الخلافات السابقة، خاصة مع سعي الطرفين إلى لعب أدوار مؤثرة في إعادة تشكيل توازنات المنطقة.
تحالفات أمنية وحدود الالتزام التركي
الزيارة تأتي أيضًا في توقيت حساس، بعد تداول معلومات عن عدم انضمام تركيا إلى تحالف دفاعي مشترك يضم السعودية وباكستان، رغم تصريحات سابقة لوزير الخارجية التركي حول محادثات في هذا الاتجاه.
هذا التراجع يعكس إدراك أنقرة لحساسية توازناتها الإقليمية، وحرصها على عدم الانخراط في ترتيبات قد تُفسَّر على أنها اصطفاف حاد ضد أطراف أخرى، في بيئة إقليمية تتسم بتشابك التحالفات وتضارب المصالح.
معادلة الخليج: الرياض، أبو ظبي، وأنقرة
التحسن في العلاقات مع السعودية يضع تركيا أمام معادلة دقيقة، خاصة في ظل علاقاتها المتنامية مع دولة الإمارات، التي تلعب دورًا محوريًا في دعم الاستقرار المالي والاقتصادي التركي.
هذا الواقع يفرض على أنقرة انتهاج سياسة توازن دقيقة، تتيح لها توسيع تعاونها مع الرياض دون الإضرار بشراكاتها الأخرى في الخليج، أو الانزلاق إلى منافسات إقليمية مفتوحة قد تعقّد مكاسبها الاقتصادية والسياسية.
جرح خاشقجي: خلفية لم تُنسَ
لا تزال جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018 تشكل الخلفية الأثقل في مسار العلاقات بين البلدين. حينها، قادت أنقرة حملة قضائية وإعلامية واسعة، ما تسبب في أزمة غير مسبوقة مع الرياض. غير أن السنوات اللاحقة شهدت تحولًا تدريجيًا نحو طيّ الصفحة، في إطار مقاربة براغماتية أعادت ترتيب الأولويات السياسية لكلا الطرفين.
أنقرة كوسيط إقليمي: إيران والولايات المتحدة
تتزامن زيارة أردوغان إلى الرياض مع حراك دبلوماسي أوسع تقوده تركيا، يتمثل في محاولات الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، قبيل جولة محادثات محتملة في أنقرة.
هذا الدور يعزز موقع تركيا كفاعل إقليمي قادر على التواصل مع أطراف متخاصمة، ويمنح زيارات أردوغان الخارجية بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية، ليصب في سياق إعادة رسم خريطة النفوذ الدبلوماسي في المنطقة.
محطة القاهرة: استكمال الجولة
بعد ختام زيارته إلى الرياض، يتوجه أردوغان إلى القاهرة، في خطوة تعكس سعي أنقرة إلى ترسيخ سياسة الانفتاح الإقليمي، وإعادة وصل ما انقطع مع العواصم العربية المؤثرة، ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز حضور تركيا في معادلات الشرق الأوسط الجديدة.
الخلاصة
زيارة أردوغان إلى الرياض تمثل خطوة متقدمة في مسار تطبيع العلاقات بعد سنوات من القطيعة، لكنها تجري ضمن توازنات دقيقة تفرضها شبكة التحالفات الإقليمية. نجاح هذا التقارب سيبقى مرهونًا بقدرة الطرفين على تحويل المصالح المشتركة إلى شراكة مستقرة دون الانزلاق إلى تناقضات جديدة.

