حسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجدل الدائر حول مشاركة تركيا في مبادرة “مجلس السلام” التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر تكليف وزير الخارجية هاكان فيدان بتمثيل أنقرة في هذا الكيان الدولي المقترح.
وجاء الإعلان بشكل مقتضب عقب اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، حين رد أردوغان على سؤال صحفي بشأن مشاركته الشخصية في المجلس المعني بملف غزة، قائلًا: “السيد فيدان سيحضر”، دون أي توضيحات إضافية.
هذا الموقف يعكس، من جهة، استعدادًا تركيًا للتفاعل مع المبادرة، ومن جهة أخرى، تجنبًا لربط الرئاسة التركية مباشرة بهيكل لم تتضح بعد أبعاده القانونية والسياسية.
ماهية “مجلس السلام” وصلاحياته
بحسب النظام التأسيسي للمجلس، يسعى الكيان الجديد إلى العمل في مناطق النزاعات أو المناطق المهددة بالصراعات، بهدف تعزيز الاستقرار، وإعادة بناء الحوكمة، وتحقيق سلام دائم، مع التأكيد على الالتزام بالقانون الدولي.
ورغم أن الفكرة انطلقت أساسًا للإشراف على إعادة إعمار غزة في ظل وقف إطلاق نار هش قائم منذ أكتوبر، إلا أن نطاق عمل المجلس لا يقتصر على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل يمتد ليشمل بؤر نزاع أخرى.
العضوية في المجلس تُمنح بدعوة مباشرة من ترامب، ويمثل الدول الأعضاء رئيس الدولة أو الحكومة. ويتولى ترامب رئاسة المجلس بصلاحيات واسعة تشمل تحديد الأجندة وبنية العمل الداخلية.
وتُمنح الدول العضوية فترات زمنية محددة، غير أن المساهمة المالية الكبيرة، وتحديدًا دفع مليار دولار خلال العام الأول، تتيح للدول تجاوز القيود الزمنية، ما يعني عمليًا الحصول على عضوية دائمة.
تباين داخل المشهد السياسي التركي
قرار أردوغان فُهم على أنه رد غير مباشر على تصريحات حليفه القومي المتطرف دولت بهتشلي، الذي دعا علنًا إلى أن يتولى الرئيس التركي نفسه رئاسة مجلس السلام، معتبرًا أن ملفي فلسطين وغزة يستوجبان قيادة تركية مباشرة، وأن “السلام يجب أن يبدأ من تركيا”.
في المقابل، كانت أنقرة قد أعلنت قبل ذلك أنها ما زالت تدرس الإطار القانوني والوظيفي للمبادرة. وأكد فيدان، في تصريح سابق، أن بلاده تراجع تفويض المجلس وصلاحياته، مشيرًا إلى أن القرار النهائي سيُتخذ من قبل أردوغان في الوقت المناسب.
حذر دولي ومخاوف من تهميش الأمم المتحدة
المبادرة الأميركية لم تمر دون تحفظات دولية واسعة. دبلوماسيون في عدة عواصم أعربوا عن قلقهم من أن يؤدي المجلس الجديد إلى إضعاف دور الأمم المتحدة وآلياتها التقليدية في إدارة النزاعات الدولية.
فرنسا أعلنت صراحة رفضها الانضمام، في حين تلقت دول كبرى أخرى دعوات رسمية، من بينها الصين والهند وروسيا وأوكرانيا وكندا، وسط مواقف متباينة لم يُحسم معظمها بعد.
إسرائيل تنضم… واعتراض على الدور التركي
في تطور لافت، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقته على الانضمام إلى مجلس السلام، مؤكدًا قبوله الدعوة الأميركية للمشاركة في هذا الكيان الذي “سيضم قادة العالم”.
غير أن هذا القبول لم يخلُ من اعتراضات، إذ أبدى نتنياهو رفضًا واضحًا لإدراج وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إلى جانب الدبلوماسي القطري علي الثوادي، ضمن “المجلس التنفيذي لغزة” الذي أعلن ترامب أنه سيعمل تحت مظلة مجلس السلام.
مجلس تنفيذي لغزة وترتيبات موازية
بالتوازي مع مجلس السلام، كشف ترامب عن إنشاء “مجلس تنفيذي لغزة” يُعنى بالإدارة وإعادة الإعمار، ويضم شخصيات إقليمية، من بينها فيدان والثوادي، ما يفسر حدة الموقف الإسرائيلي تجاه هذا التشكيل.
كما أُعلن عن تشكيل لجنة منفصلة من خمسة عشر تكنوقراطًا فلسطينيًا لإدارة الشؤون اليومية في غزة ضمن المرحلة الثانية من خطة الهدنة.
وتقود اللجنة شخصية فلسطينية من أبناء غزة، شغل سابقًا منصب نائب وزير في السلطة الفلسطينية، وقد باشرت أعمالها الأولية من القاهرة.
سياق إقليمي متوتر
تأتي هذه التطورات في ظل تدهور غير مسبوق في العلاقات التركية – الإسرائيلية منذ اندلاع حرب غزة عقب هجوم غير مسبوق نفذته حركة حماس في أكتوبر 2023.
وهو ما يجعل مشاركة تركيا، حتى وإن كانت عبر وزير خارجيتها، محمّلة بدلالات سياسية تتجاوز الإطار البروتوكولي.
خلاصة
تكليف هاكان فيدان بتمثيل تركيا في مجلس السلام يعكس سياسة تركية تقوم على الانخراط الحذر دون التورط السياسي الكامل. أنقرة تراقب المبادرة الأميركية من الداخل، مع الاحتفاظ بهامش مناورة يسمح لها بالانسحاب أو التصعيد وفق تطورات غزة وموازين القوى الدولية.

