يرى الصحفي التركي آدم ياوز أرسلان أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد الولايات المتحدة لا يمكن قراءته كعملية معزولة أو كحلقة أخيرة في صراع أميركي–فنزويلي طويل، بل بوصفه مؤشراً صارخاً على تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي. فالمشهد الذي تكشّف في كاراكاس، بحسب تحليله، يكشف أن واشنطن لم تعد تكتفي بتوسيع هوامش النظام الدولي القائم بعد الحرب العالمية الثانية، بل باتت تتجاوزه عملياً وتتعامل معه كإطار قابل للتعطيل عند الضرورة.
القانون الدولي خارج المعادلة
يؤكد أرسلان أن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كان القانون الدولي قد انتُهك، لأن ذلك بات أمراً مفروغاً منه، بل حول الكيفية التي يُعاد بها تعريف القوة وممارستها وتبريرها. في هذا السياق، لم تعد الشرعية تُستمد من المؤسسات الدولية أو من القواعد القانونية، بل من ميزان القوة وحده، ومن موقع الدولة أو النظام السياسي داخل حسابات النفوذ الأميركي.
منطق جديد للشرعية: الاصطفاف قبل كل شيء
بحسب الكاتب، تكشف قضية مادورو أن معيار القبول أو الرفض الأميركي لأي نظام لم يعد مرتبطاً بطريقة وصوله إلى السلطة أو بمدى تمثيله لإرادة شعبه، وإنما بمدى انسجامه مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن. هذا التحول يعني أن السيادة لم تعد مفهوماً قانونياً ثابتاً، بل امتيازاً مشروطاً بالاصطفاف. ويصف أرسلان هذا المسار بأنه قطيعة واضحة مع الدبلوماسية التقليدية التي اعتمدت طويلاً على المفاوضات الطويلة، والعقوبات التدريجية، ولغة “الصبر الاستراتيجي”.
تركيا أمام اختبار غير مسبوق
في قراءة أرسلان، لا تبدو تركيا بعيدة عن تداعيات هذا التحول. فأنقرة، التي بنت سياستها الخارجية خلال السنوات الماضية على مبدأ المناورة بين المعسكرات، تجد نفسها أمام واقع جديد يقلّص هامش الحركة. لقد نجحت تركيا لفترة في الجمع بين عضويتها في حلف شمال الأطلسي، وبين تبني مواقف تتعارض أحياناً مع التوجهات الغربية، مستفيدة من أزمات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا، وتوسع الناتو، والتوترات المتلاحقة في الشرق الأوسط. غير أن النموذج الذي تكشفه فنزويلا، وفق أرسلان، يوحي بأن هذه المنطقة الرمادية آخذة في الاختفاء.
من التوازن إلى الاصطفاف القسري
يشرح الكاتب أن الإطار الجديد الذي تفرضه واشنطن يقسم الفاعلين الدوليين بشكل أكثر حدّة إلى معسكرين: «معنا» أو «ضدنا». في هذا السياق، لم تعد الحيادية أو سياسات كسب الوقت أدوات فعّالة، بل تحولت إلى نقاط ضعف. ويضيف أن الاستمرار في الرهان على الغموض الاستراتيجي قد يضع تركيا في موقع هش، خصوصاً في ظل تراجع أهمية القواعد القانونية التي كانت تشكّل سابقاً مظلة حماية نسبية للدول المتوسطة القوة.
هشاشة متزايدة في سياسة أردوغان الخارجية
يرى أرسلان أن سياسة الرئيس رجب طيب أردوغان الخارجية، التي اعتمدت لسنوات على إدارة الأزمات بدلاً من حسمها، باتت أكثر عرضة للاهتزاز. فأنقرة اعتادت امتصاص الضغوط عبر تأجيل المواجهات، وتفكيك الأزمات على مراحل، والدخول في مساومات ظرفية مع واشنطن. لكن سابقة مادورو، كما يصفها الكاتب، توحي بأن هذا الأسلوب قد لا يكون كافياً في مرحلة تتراجع فيها الأعراف وتتصدر فيها القوة الخشنة المشهد.
الشرق الأوسط كساحة إنذار مبكر
يشير أرسلان إلى أن ملامح هذا التحول الأميركي باتت واضحة في الشرق الأوسط. فالحرب في غزة، وتصاعد التوتر مع إيران، واستمرار الفوضى في سوريا، كلها شواهد على سياسة أميركية أقل ميلاً لإدارة الأزمات وأكثر ميلاً لفرض الوقائع. وفي بيئة كهذه، تصبح الدول ذات الطموحات الإقليمية، مثل تركيا، أمام تحديات أعقد، خاصة إذا كانت علاقاتها مع الغرب متوترة أو غير مستقرة.
تقلّص هامش الخطأ والمناورة
يخلص الكاتب إلى أن اعتقال مادورو ليس مجرد عملية أمنية أو سياسية، بل علامة على دخول مرحلة جديدة في النظام الدولي. مرحلة تتحدث فيها القوة بلغة أكثر صراحة، وتضيق فيها مساحات المناورة، وترتفع فيها كلفة سوء التقدير. والسؤال الجوهري المطروح أمام أنقرة، وفق أرسلان، هو ما إذا كانت ستواصل التصرف على أساس أن المناطق الرمادية لا تزال قائمة، أم ستعيد صياغة خياراتها في ضوء واقع دولي لم يعد يحتمل التأجيل.
خلاصة
بحسب تحليل آدم ياوز أرسلان، تشكّل قضية مادورو إنذاراً مبكراً لتركيا بأن زمن التوازنات الرمادية يقترب من نهايته. وفي نظام دولي يتجه نحو الحسم القسري، قد لا يكون التحدي دبلوماسياً فحسب، بل مفصلياً في تحديد موقع أنقرة ومستقبل دورها.

