يشهد شمال سوريا تصعيداً عسكرياً خطيراً أعاد خلط أوراق التفاهمات السياسية الهشّة، بعدما اندلعت مواجهات عنيفة في أحياء ذات غالبية كردية بمدينة حلب، في واحدة من أعنف جولات القتال منذ أشهر، ما أوقع قتلى وجرحى معظمهم من المدنيين، وفتح الباب أمام تداعيات سياسية وأمنية أوسع.
اتهامات مباشرة لدمشق وفصائل مدعومة تركياً
حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، أبرز الأحزاب المؤيدة للأكراد في تركيا، وصف الهجمات التي نفذتها قوات تابعة للحكومة السورية على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بأنها «عملية إبادة ممنهجة».
وأكد الحزب أن القوات المهاجمة استخدمت دبابات ومدفعية ثقيلة وراجمات ومدافع هاوتزر، إضافة إلى الطائرات المسيّرة، ولم تقتصر الضربات على الأحياء الكردية، بل طالت أيضاً منطقة بني زيد المجاورة ذات الغالبية الآشورية.
وحمّل الحزب دمشق المسؤولية المباشرة، متهماً في الوقت ذاته فصائل مسلحة قال إنها معروفة بتلقي دعم تركي بالمشاركة في الهجمات، مسمياً فصائل حمزات، والعمشات، وسلطان مراد ونور الدين زنكي، في اتهام يضيف بعداً إقليمياً معقداً إلى المواجهات.
حصيلة متصاعدة وخلاف على الرواية
بحسب معطيات أمنية محلية أشار إليها الحزب، سقط سبعة مدنيين على الأقل وأصيب ما لا يقل عن ستة وأربعين آخرين، قبل أن ترتفع الحصيلة لاحقاً إلى أحد عشر قتيلاً مع استمرار القصف.
في المقابل، قدّمت السلطات السورية رواية مغايرة، متهمة قوات سوريا الديمقراطية بقصف أحياء مجاورة لمناطق سيطرتها، ومعلنة مقتل خمسة أشخاص، بينهم أربعة مدنيين أحدهم طفل، إضافة إلى عنصر من وزارة الدفاع، مع الإشارة إلى أن اثنين من الضحايا يعملان في مركز أبحاث زراعي.
قوات سوريا الديمقراطية: قصف عشوائي وتهديد بالرد
قوات سوريا الديمقراطية، التي تقودها وحدات كردية وتحظى بدعم أميركي، قالت إن فصائل مرتبطة بالحكومة السورية نفذت قصفاً عشوائياً على الشيخ مقصود باستخدام المدفعية والصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب نيران قناصة وأسلحة ثقيلة. وأكدت أنها تحتفظ بحق الرد، لا سيما بعد تسجيل هجمات موازية على دير حافر شرق حلب، ومناطق محيطة بسد تشرين شمال شرق المدينة.
شلل مدني وإجراءات طارئة في المدينة
التداعيات الميدانية لم تتوقف عند خطوط التماس. فقد أعلنت السلطات تعليق الرحلات الجوية من وإلى مطار حلب لمدة أربع وعشرين ساعة، وتحويلها إلى مطار دمشق. كما تقرر إغلاق المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية ليوم كامل، وإلغاء الفعاليات العامة، على خلفية ما وُصف بقصف عشوائي طال مرافق مدنية، بما فيها مستشفيات ومؤسسات خدمية.
اتفاق الدمج يتهاوى قبل اكتماله
تأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه الأنظار تتجه إلى اتفاق موقّع في العاشر من آذار، نص على دمج الإدارة الذاتية الكردية وقواتها ضمن بنية الدولة السورية الجديدة ذات الطابع الإسلامي، على أن يُستكمل التنفيذ قبل نهاية عام 2025. إلا أن تطبيق الاتفاق تعثر عملياً، وتحوّل التصعيد الأخير إلى ضربة مباشرة له. الحزب الكردي التركي أكد أن قوات سوريا الديمقراطية كانت قد سحبت أسلحتها الثقيلة من أحياء حلب الكردية في نيسان 2025، وسلمت الملف الأمني لقوات داخلية محلية، معتبراً أن الهجمات الحالية تُسقط الاتفاق من أساسه.
مخاوف من تكرار سيناريو السويداء
ربط الحزب ما يجري في حلب بأحداث سابقة شهدتها محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، محذراً من أن النهج ذاته يُعاد إنتاجه في الشمال، عبر فرض نموذج مركزي بالقوة، وهو ما اعتبره وصفة مؤكدة لتفجير صراعات جديدة. ودعا الوسطاء بين الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا والحكومة السورية إلى التدخل الفوري كضامنين لوقف الهجمات، والدفع نحو صيغة حكم مشترك قائمة على المساواة في الحقوق.
أنقرة تدخل على الخط بخطاب أمني صارم
التصعيد لم يمر من دون رد تركي رسمي. وزير الدفاع التركي شدد على أن حزب العمال الكردستاني وكل التنظيمات المرتبطة به، بما فيها قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب، مطالبون بوقف ما وصفه بالنشاط الإرهابي في سوريا، وتسليم السلاح دون شروط. وأكد أن بلاده لن تسمح بترسيخ أي وجود لهذه التنظيمات في المنطقة، في موقف يعكس استمرار النظرة الأمنية التركية للملف الكردي السوري.
خلفية إقليمية معقدة
تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا الغني بالنفط، وكانت الشريك الميداني الأبرز للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، الذي خسر آخر معاقله عام 2019. وفي الوقت الذي أنهى فيه حزب العمال الكردستاني حملته المسلحة داخل تركيا مطلع 2025، ما تزال دمشق ترفض أي صيغة لامركزية تطالب بها القيادات الكردية، متمسكة بنموذج الدولة المركزية.
خلاصة
التصعيد في أحياء حلب الكردية لا يمثل حادثاً أمنياً معزولاً، بل يعكس انهيار مسار سياسي هش ومحاولة فرض وقائع جديدة بالقوة. وبين تضارب الروايات، وتدخل الحسابات الإقليمية، تبدو فرص التفاهم أبعد من أي وقت مضى، فيما يظل المدنيون الخاسر الأكبر.

