بعد مرور عام على ما تصفه المعارضة التركية بـ“الانقلاب القضائي” ضدها، أصدر حزب الشعب الجمهوري تقريراً مطولاً يوثق حجم الانتهاكات والملاحقات التي استهدفت رؤساء البلديات المنتخبين من صفوفه، عقب فوزه الساحق في الانتخابات المحلية التي جرت في آذار 2024.
ويشير التقرير، الصادر في الذكرى الأولى لاعتقال رئيس بلدية إسنيورت في إسطنبول أحمد أوزر في تشرين الأول 2024، إلى أن الحكومة أطلقت حملة منهجية لإضعاف سلطة البلديات المعارضة عبر الاعتقالات وتعيين أوصياء حكوميين مكان رؤساء منتخبين.
“القضاء ضد الصندوق”: تشخيص الحزب لحالة الطوارئ السياسية
يحمل التقرير عنوان “القضاء ضد الصندوق: تشريح انقلاب”، ويصف ما جرى منذ العام الماضي بأنه “انقلاب قضائي على الإرادة الشعبية”، انطلق بعد توقيف أوزر بتهم تتعلق بالإرهاب، ولا يزال قيد الاحتجاز السابق للمحاكمة.
ويشير إلى أن الحملة تصاعدت بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في آذار الماضي، وهو المرشح الرئاسي لحزب الشعب الجمهوري للانتخابات المقررة عام 2028 والمنافس الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان.
بحسب التقرير، يقبع حالياً ستة عشر رئيس بلدية تابعين للحزب في السجن، فيما فُرضت الوصاية الحكومية على ثلاث عشرة بلدية، من بينها إسنيورت وشيشلي في إسطنبول. ويرى الحزب أن الهدف من هذه الإجراءات هو “هزيمة المعارضة عبر المحاكم بعدما فشلت الحكومة في هزيمتها في صناديق الاقتراع”.
عمليات أمنية متكررة ضد بلدية إسطنبول
يرصد التقرير سلسلة من العمليات الأمنية التي استهدفت بلدية إسطنبول الكبرى وبلدياتها الفرعية بين آذار وآب 2025، حيث نفذت النيابة العامة تسع حملات متتالية أسفرت عن أكثر من مئة وخمسة وستين اعتقالاً وإصدار ثلاثمئة أمر توقيف.
وشملت التهم الموجهة للمسؤولين البلديين قضايا فساد وتلاعب في المناقصات وتسهيل أنشطة لمنظمات إرهابية. إلا أن الحزب أوضح أن معظم الملفات أعيد فتحها بعد أن كانت قد خضعت للتدقيق في فترات سابقة، وأن الأدلة تستند إلى “شهادات سرية غامضة” وبلاغات مجهولة المصدر.
وأثارت لقطات مصورة لاقتياد رؤساء بلديات المعارضة مكبلين بالأصفاد إلى المحكمة في حزيران 2025 موجة استنكار واسعة، واعتُبرت محاولة لتشويه سمعتهم علناً قبل صدور أي حكم قضائي.
اتهامات بتسييس القضاء وانتهاك الدستور
يشدد التقرير على أن ما يجري يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ استقلال القضاء وضمانات الإدارة المحلية المنصوص عليها في الدستور التركي، مشيراً إلى أن العديد من قرارات الإقالة وتعيين الأوصياء صدرت دون أي أحكام قضائية نهائية.
كما أورد التقرير شهادات من بعض الموقوفين الذين تحدثوا عن عروض بالإفراج مقابل الإدلاء باعترافات أو شهادات ضد رؤساء البلديات ومسؤولين كبار في الحزب.
ويضيف التقرير أن وسائل الإعلام المقربة من الحكومة لعبت دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام من خلال نشر تسريبات من ملفات التحقيق وعرض روايات منحازة تُظهر مسؤولي المعارضة كأنهم مدانون مسبقاً.
ملف جديد: لائحة اتهام ضخمة بحق رجال أعمال ومسؤولين بلديين
خصص التقرير قسماً للرد على لائحة اتهام مكونة من 578 صفحة صدرت في تشرين الأول ضد رجل الأعمال عزيز إحسان أقتاش وعدد من البلديات التابعة لحزب الشعب الجمهوري بتهم تتعلق بالرشوة وغسل الأموال والتلاعب بالمناقصات.
وأكد الحزب أن اللائحة أغفلت الفترة التي كانت فيها تلك البلديات تحت إدارة حزب العدالة والتنمية الحاكم بين عامي 2014 و2019، واعتمدت على أقوال متناقضة وشهود غير موثوقين، بل ووصفت بعض الخدمات الاجتماعية الروتينية بأنها “أفعال جرمية”.
أكرم إمام أوغلو: الرمز الأبرز للضغط السياسي
يُعد ملف أكرم إمام أوغلو، بحسب التقرير، أوضح مثال على تسييس العدالة.فمنذ فوزه التاريخي برئاسة بلدية إسطنبول عام 2019، تزايدت القضايا المفتوحة ضده بشكل لافت، بدءاً من تهم “الإهانة” إلى “الفساد والتجسس”.
وتؤكد المعارضة أن جميع هذه القضايا تفتقر إلى الأساس القانوني، وتهدف لإقصائه عن الحياة السياسية، خاصة بعد الحكم عليه بالسجن لأكثر من عامين ومنعه من العمل السياسي في كانون الأول 2022.
وتشير الوثيقة إلى أن يوم الثالث والعشرين من آذار الماضي شكّل نقطة تحول حاسمة، إذ جرى اعتقال إمام أوغلو في اليوم ذاته الذي أعلن فيه ترشيحه رسمياً للرئاسة، ما أثار احتجاجات واسعة في إسطنبول ومدن أخرى لم تشهدها تركيا منذ تظاهرات “غيزي” عام 2013. ورغم مرور أكثر من سبعة أشهر على اعتقاله، لم تُقدَّم بعد لائحة اتهام رسمية بحقه، ما تعتبره المعارضة دليلاً إضافياً على الطابع السياسي للإجراءات المتخذة ضده.
تآكل الديمقراطية المحلية ومخاطرها على النظام السياسي
يخلص التقرير إلى أن ما يحدث يشكل جهداً منظماً لتقويض الديمقراطية المحلية في تركيا من خلال إضعاف البلديات المنتخبة وتحويل القضاء إلى أداة للصراع السياسي. ويرى حزب الشعب الجمهوري أن هذه الممارسات تهدد الثقة العامة في الانتخابات والعدالة، وتعيد البلاد إلى مناخ من الوصاية السياسية.
ويؤكد الحزب عزمه على مواصلة المواجهة القانونية والسياسية، عبر اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا واتحاد نقابات المحامين ومجلس أوروبا، مع إبقاء الرأي العام على اطلاع دائم عبر المؤتمرات والتقارير الدورية.
ودعا المواطنين المؤمنين بالديمقراطية إلى رفض “التحقيقات الملفقة” والدفاع عن استقلال القضاء بوصفه دفاعاً عن مستقبل تركيا نفسها.
موقف الحكومة: نفي الاتهامات وتأكيد الشرعية القانونية
من جانبها، ترفض الحكومة التركية الاتهامات الموجهة إليها وتؤكد أن جميع العمليات القضائية تجري في إطار القانون، معتبرة أن مكافحة الفساد في البلديات لا تستهدف حزباً بعينه، بل تهدف إلى “صون المال العام وضمان الشفافية”.

