أعلنت وزارة الدفاع التركية عن بدء وحدات من الجيش السوري تدريبات رسمية داخل منشآت القوات المسلحة التركية، في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في مسار العلاقات بين البلدين بعد سنوات من القطيعة.
وذكرت الوزارة أن تسعةً وأربعين ضابطاً سورياً مرشحاً سيبدؤون دراستهم في الأكاديميات العسكرية التركية اعتباراً من الحادي والثلاثين من تشرين الأول، ضمن برنامج تعاون دفاعي مشترك تم التوصل إليه في الصيف الماضي.
تفاصيل البرنامج التدريبي
يتوزع الضباط السوريون الجدد بين الأكاديميات العسكرية الثلاث التابعة للقوات المسلحة التركية، حيث سيتلقى عشرة منهم تدريبهم في الأكاديمية البرية، وثمانية عشر في الأكاديمية البحرية، وواحد وعشرون في أكاديمية القوات الجوية.
وبحسب مصادر في وزارة الدفاع التركية، فإن التدريب يشمل برامج أكاديمية وعملية تغطي القيادة التكتيكية، وإدارة العمليات المشتركة، وأنظمة الأسلحة، واللوجستيات العسكرية الحديثة، في إطار ما وُصف بأنه “نواة لتعاون دفاعي منظم بين الجيشين”.
الأساس القانوني للتعاون: مذكرة أنقرة في أغسطس
تأتي هذه الخطوة تطبيقاً لمذكرة “التدريب والاستشارات المشتركة” التي وُقعت في أنقرة في الثالث عشر من آب الماضي، وتنص على تقديم الدعم الفني والاستشاري للجيش السوري، إلى جانب السماح بتدريب عناصره في مؤسسات عسكرية تركية، وتسهيل الوصول إلى منظومات السلاح والخدمات اللوجستية المتقدمة.
وتُعد هذه المذكرة أول اتفاق دفاعي رسمي بين البلدين منذ أكثر من عقد، بعد أن كانت العلاقات العسكرية قد انقطعت بالكامل منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011.
دمشق تؤكد: الانفتاح العسكري جزء من مرحلة إعادة البناء
من جانبها، أكدت وزارة الدفاع السورية الأسبوع الماضي أن وزيرها التقى دفعة من طلاب الضباط الذين تم اختيارهم للابتعاث إلى تركيا والسعودية، في إطار ما وصفته بخطة “تأهيل الكوادر الدفاعية في مرحلة ما بعد الحرب”.
ويُنظر إلى هذه التحركات كجزء من سياسة الحكومة السورية الانتقالية التي تولت الحكم بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، والتي تسعى إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، بما في ذلك القوات المسلحة، بالتعاون مع دول إقليمية فاعلة.
أنقرة: دعم لوحدة سوريا واستقرارها
أنقرة شددت في بيانها على أن التعاون العسكري الجديد “يندرج ضمن التزام تركيا الثابت بدعم وحدة الأراضي السورية واستقرار مؤسساتها الوطنية”.
وأضافت أن الهدف من البرنامج ليس فقط تطوير القدرات المهنية للجيش السوري، بل أيضاً إرساء الثقة السياسية بين البلدين وتهيئة الأرضية لتعاون أوسع في مجالات الأمن الحدودي ومكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار.
كما أشار مسؤولو الدفاع الأتراك إلى أن هذا التعاون يعكس “مرحلة النضج السياسي” في العلاقات الثنائية بعد التوصل إلى تفاهمات مبدئية حول الحدود الشمالية وعودة اللاجئين وإعادة تفعيل قنوات الاتصال الأمنية.
البعد الإقليمي: تركيا تعيد التموضع في الملف السوري
توقيت الإعلان عن البرنامج التدريبي يأتي في سياق إقليمي متغير، إذ تسعى تركيا إلى إعادة صياغة دورها في سوريا بما يوازن بين أمنها القومي والتقارب مع الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق.
ويرى مراقبون أن إشراك الجيش السوري في برامج تدريب تركية يعزز النفوذ التركي في مرحلة إعادة بناء المؤسسات السورية، ويمهد لتعاون أمني ثلاثي محتمل يشمل روسيا والسعودية.
كما يتوقع أن يساهم هذا التعاون في تسريع عودة التنسيق الميداني في المناطق الحدودية، بما يقلل من الاحتكاكات العسكرية ويفتح الباب أمام مشاريع مشتركة في مجال الأمن الإقليمي.

