في خطوة متوقعة ضمن مسار التيسير النقدي التدريجي، قرر البنك المركزي التركي خفض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار مئة نقطة أساس ليصل إلى 39.5 في المئة، في أعقاب اجتماع لجنة السياسة النقدية برئاسة المحافظ فاتح كاراها. ويأتي القرار في ظل تزايد الضغوط التضخمية وتباطؤ مسار خفض الأسعار، ما يعكس توجه البنك نحو موازنة دقيقة بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار.
قرار حذر بعد موجة من التخفيضات
يُعدّ هذا الخفض الثالث على التوالي منذ بدء دورة التيسير الجديدة، لكن البنك خفف وتيرة التخفيض مقارنة بخفض سابق بلغ 250 نقطة أساس في سبتمبر الماضي. ويشير هذا التباطؤ إلى رغبة صانعي القرار في اختبار أثر الخطوات السابقة على الاقتصاد قبل المضي في مزيد من التيسير. وأعلن البنك أن سعر إعادة الشراء لأسبوع واحد، وهو أداة السياسة النقدية الأساسية، تم خفضه من 40.5 إلى 39.5 في المئة.
تصاعد التضخم يفرض قيوداً على السياسة النقدية
بحسب بيانات معهد الإحصاء التركي، ارتفع معدل التضخم السنوي في سبتمبر إلى 33.29 في المئة، مسجلاً أول زيادة منذ أكثر من عام، مقارنة بنسبة 32.95 في المئة في أغسطس. وأوضح البنك المركزي في بيانه أن اتجاه الأسعار صعودي في المدى القريب، رغم أن ظروف الطلب الكلي ما زالت متوافقة مع مسار خفض التضخم، وإن بوتيرة أبطأ من المتوقع.
وأشار البيان إلى أن الزيادة الأخيرة في الأسعار جاءت نتيجة ارتفاع تكاليف الخدمات، خصوصاً رسوم الجامعات والنقل المدرسي، ما فاقم الضغوط المعيشية على الأسر التركية مع بداية العام الدراسي الجديد.
تحذيرات من مخاطر غذائية وتغير السلوك السعري
لفت البنك إلى أن التطورات الأخيرة في أسعار المواد الغذائية تشكل خطراً متزايداً على آفاق خفض التضخم، سواء عبر تغذية التوقعات المستقبلية أو عبر تغيّر سلوك التسعير في الأسواق. وأكد في المقابل تمسكه بسياسة نقدية “مشددّة بالقدر اللازم” إلى أن تتحقق استدامة الاستقرار السعري، مشيراً إلى أن أدوات السياسة ستظل موجهة لدعم مسار خفض التضخم من خلال قنوات الطلب وسعر الصرف والتوقعات.
إشارات إلى مرونة مستقبلية في القرارات
أوضح البنك أن قراراته المستقبلية ستعتمد على البيانات الاقتصادية واتجاهات التضخم في الفترة المقبلة، مشيراً إلى إمكانية تشديد السياسة النقدية مجدداً في حال تجاوز التضخم التوقعات، ومؤكداً أنه سيتابع السيولة في النظام المالي عن كثب وسيتخذ إجراءات إضافية إذا لزم الأمر.
مخاوف المستثمرين من تباطؤ الإصلاح النقدي
على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، عبّر مسؤولون من البنك المركزي التركي عن قلقهم من استمرار التضخم المرتفع، ما دفعهم إلى تلميح غير مباشر لإبطاء وتيرة خفض الفائدة في الاجتماعات القادمة.
وأكدت مصادر اقتصادية أن محافظ البنك كاراها ونوابه اجتمعوا بعدد من المستثمرين الدوليين، حيث شددوا على التزام المؤسسة بمسار إصلاحي متوازن يحافظ على الثقة الدولية في الأصول التركية.
تغيرات داخلية تثير تساؤلات عن الثقة المستقبلية
تتابع الأوساط الاقتصادية عن كثب قرب تقاعد نائب المحافظ جودت أكشاي، المعروف بموقفه الصارم تجاه التضخم وبدفاعه عن السياسات المتشددة، والمقرر مغادرته منصبه في أبريل المقبل عند بلوغه سن التقاعد الإجباري. ولم تُعلن حتى الآن هوية خلفه، ما أثار مخاوف من تأثير هذا التغيير على ثقة المستثمرين في التزام البنك بسياسة كبح الأسعار.
تحول نقدي بعد سنوات من السياسة غير التقليدية
منذ منتصف عام 2023، بدأ البنك المركزي التركي في قلب توجهاته السابقة التي اعتمدت على خفض الفائدة رغم ارتفاع التضخم، وهي سياسة وُصفت حينها بغير التقليدية وأدت إلى تدهور الليرة وارتفاع الأسعار. ومع التحول إلى سياسة أكثر تشدداً، بدأت الاحتياطات الأجنبية في التحسن تدريجياً، وشهدت السوق المالية عودة جزئية لثقة المستثمرين الأجانب في السندات والأصول التركية.

