شهدت تركيا حدثًا تكنولوجيًا بارزًا تمثّل في إتمام مناقصة شبكات الجيل الخامس (5G ) التي نظّمتها هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بمشاركة كبرى شركات الاتصالات التركية.
أسفرت المناقصة عن تحقيق عائدات بلغت نحو 2.95 مليار دولار من العروض الفائزة، لتؤسس بذلك لمرحلة جديدة في البنية التحتية الرقمية تمهّد لإطلاق خدمات الجيل الخامس على نطاق وطني بحلول عام 2026.
الطيف الترددي المطروح شمل نطاقي 700 ميغاهرتز و3.5 غيغاهرتز، وهما العمود الفقري لأي بنية متقدمة للاتصالات اللاسلكية، إذ يتيحان سرعة فائقة في نقل البيانات، واتصالًا آمنًا ومستقرًا لملايين الأجهزة المتزامنة.
الشركات الفائزة وتوزيع الترددات
تقدّمت شركات الاتصالات الثلاث الكبرى في تركيا بعروضها للفوز بالموجات الترددية الحيوية.
شركة ترك سيل كانت صاحبة العرض الأعلى، إذ دفعت ما يقارب 429 مليون دولار لحزمة التردد A1 في نطاق 700 ميغاهرتز، إلى جانب أربع كتل ترددية إضافية في نطاق 3.5 غيغاهرتز، لتصل استثماراتها الإجمالية إلى نحو 1.22 مليار دولار.
أما ترك تيليكوم فحصلت على الحزمة A3 بقيمة 425 مليون دولار، إلى جانب كتلتين في نطاق 3.5 غيغاهرتز، بمجموع 1.1 مليار دولار.
بدورها، نالت فودافون تركيا الحزمة A2 مقابل 426 مليون دولار، بالإضافة إلى كتلة واحدة في نطاق 3.5 غيغاهرتز، بإجمالي 627 مليون دولار.
وباحتساب ضريبة القيمة المضافة، يرتفع إجمالي الإيرادات إلى ما يقارب 3.53 مليار دولار، منها 2.13 مليار دولار ستؤول مباشرة إلى الخزينة التركية كإيراد صافٍ.
الجيل الخامس: قفزة استراتيجية لا مجرد ترقية تقنية
أعلنت الحكومة أن هذه الخطوة ليست مجرد تحديث لشبكات الاتصالات، بل انتقال استراتيجي نحو بنية رقمية قادرة على دعم التحول الصناعي والاقتصادي المقبل.فالتقنية الجديدة ستتيح سرعات تنزيل تتجاوز عشرة أضعاف قدرات الجيل الرابع ونصف (4.5G ) الذي بدأ تشغيله عام 2016، ما يفتح آفاقًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والمركبات ذاتية القيادة، والمصانع الذكية، والجراحة عن بُعد.
ويصف المسؤولون هذه المرحلة بأنها لحظة مفصلية في مسار “تركيا الرقمية”، تعزز مكانة البلاد في الاقتصاد التكنولوجي العالمي وتضعها على طريق المنافسة مع الاقتصادات الكبرى في البنية التحتية للاتصالات.
خطة الإطلاق: بدء الخدمة من المدن الكبرى في 2026
من المقرر أن تنطلق خدمات الجيل الخامس في أبريل 2026 في مدن إسطنبول وأنقرة وإزمير وبورصة وكوجالي وقونية، قبل أن تتوسع لتشمل باقي أنحاء البلاد خلال عام واحد. التجارب التجريبية التي أُجريت في مطار إسطنبول ومبنى البرلمان وعدد من الملاعب الكبرى أظهرت سرعات تحميل وصلت إلى 1.8 غيغابت في الثانية، وهو رقم يضع تركيا في مصاف الدول المتقدمة في البنية التحتية للاتصال فائق السرعة.
ووفق تصريحات رسمية، فإن هذه القدرات ستنعكس مباشرة على قطاعات النقل الذكي، وإدارة المدن، والتعليم الرقمي، والرعاية الصحية، ما يجعل الجيل الخامس ركيزة رئيسية في «رؤية تركيا 2030» للتحول الرقمي.
الجاهزية التقنية للمستهلكين
تواجه تركيا تحديًا في جاهزية الأجهزة لدعم الجيل الجديد، إذ تشير التقديرات إلى أن ربع الهواتف المحمولة فقط متوافقة مع تقنيات 5G من أصل أكثر من 85 مليون مستخدم.
لذلك، من المتوقع أن يكون الانتقال تدريجيًا، مع استبدال المستخدمين لأجهزتهم القديمة تدريجيًا خلال العامين المقبلين.
كما يتوجب على المشتركين الذين لا تزال بطاقاتهم من نوع 2G أو 3G استبدال شرائحهم القديمة بأخرى حديثة متوافقة مع 5G لضمان استفادتهم من الخدمات الجديدة.
وفي خطوة داعمة، تم تمديد تراخيص التشغيل الحالية لشركات الاتصالات في خدمات 2G و3G و4G حتى عام 2042، لضمان استمرارية الخدمة أثناء مرحلة الانتقال.
استثمارات ضخمة نحو التحول الرقمي
المناقصات الأخيرة ليست سوى بداية لموجة من الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، ستنفذها شركات الاتصالات خلال السنوات المقبلة.
هذه الاستثمارات، التي تقدر بمليارات الدولارات، تأتي ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى توطين التكنولوجيا وتعزيز الأمن السيبراني، وتحويل تركيا إلى مركز إقليمي لتقنيات الجيل الخامس والخدمات الرقمية المتقدمة.
كما تراهن الحكومة على أن إطلاق الجيل الخامس سيسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعات الصناعات الذكية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات السحابية.

