أدرج فريق العمل التابع للأمم المتحدة المعني باستخدام المرتزقة، شركة “سادات” التركية المثيرة للجدل في تقريره الأخير، واصفاً إياها بأنها “غلاديو تركي جديد” يدير عمليات غامضة داخل تركيا وخارجها.
التقرير الذي نُشر على الموقع الرسمي للأمم المتحدة، يسلّط الضوء للمرة الأولى على أنشطة الشركة خلال محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016، متهماً إياها بلعب دور مباشر في أحداث تلك الليلة إلى جانب ارتباطات مع مجموعات مسلحة غير نظامية.
يأتي هذا التقرير في إطار عمل فريق الخبراء الأممي الذي يتابع أنشطة الشركات العسكرية الخاصة وتأثيرها على حقوق الإنسان، ويهدف إلى تقييم مدى التزام الدول بالقوانين الدولية في ضبط هذه الكيانات.
وبناء على آليات التحقيق المعتمدة في المجلس، تم جمع معلومات من منظمات مجتمع مدني ومصادر مستقلة أدرجت ضمن التقرير الرسمي، ما يفتح الباب أمام احتمال مساءلة الحكومة التركية في جلسات الأمم المتحدة المقبلة.
سادات و15 تموز: من “الظل” إلى الضوء الأممي
للمرة الأولى، يُذكر اسم “سادات” رسمياً في وثيقة صادرة عن هيئة أممية، باعتبارها قوة شبه عسكرية لعبت دوراً محورياً في أحداث الانقلاب المثير للجدل في 2016. التقرير يتحدث عن تعاون الشركة مع مجموعات مافيا محلية تم تسليحها ليلة الانقلاب، وعن مشاركة عناصر تابعة لها في إطلاق النار على مدنيين عبر قناصين في مناطق حساسة من إسطنبول، بما في ذلك جسر البوسفور، حيث أُعدم جنود استسلموا.
ويشير التقرير إلى أن تلك العمليات نُفذت بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات التركية(MIT) ووحدات من الشرطة الموالية لحزب العدالة والتنمية، إذ تحوّلت مقرات سادات – بحسب الوثائق – إلى غرف عمليات لتوجيه ميليشيات مدنية موالية للحكومة، في حين عملت منظمة “أسدر” المرتبطة بسادات على تفعيل خطة مسبقة أُطلق عليها “خطة منع الانقلاب”، ترافقت مع إعداد “خطة تدخل هجومي” لاستخدامها مستقبلاً في الأزمات الداخلية.
العلاقة مع أردوغان: من المستشارية إلى الارتباط الهيكلي
وفق التحليل الإخباري الذي نشره موقع “بولد” الإخباري، لم يكتفِ التقرير الأممي بتوثيق الأنشطة الميدانية، بل تطرق إلى العلاقة التنظيمية بين سادات والرئيس رجب طيب أردوغان. فالشركة التي أُسست تحت غطاء التدريب العسكري والاستشارات الدفاعية، وُصفت بأنها “قوة موازية” ذات طابع سياسي وإيديولوجي، هدفها حماية النظام الحاكم.
ولفت التقرير إلى أن مؤسسها اللواء المتقاعد عدنان تانريفردي، تم تعيينه مستشاراً خاصاً للرئيس أردوغان في أغسطس 2016، أي بعد شهر واحد من محاولة الانقلاب، وهو ما فسّره مراقبون بأنه مكافأة سياسية على الدور الذي لعبته الشركة خلال الأحداث الغامضة ليلة الانقلاب.
الوثائق المرفقة بالتقرير، والتي أعدتها منظمات حقوقية تركية ودولية، تؤكد أن سادات لم تقتصر أنشطتها على التدريب العسكري، بل توسعت لتشمل تجنيد المرتزقة ونقلهم إلى مناطق نزاع، وتوريد الأسلحة عبر قنوات موازية، فضلاً عن إدارة عمليات أمنية لصالح أطراف سياسية قريبة من الحكومة.
شبكات سرية وعمليات خارج الحدود
وفق التقرير الأممي، عملت سادات على مدار سنوات في تنسيق وثيق مع جهاز الاستخبارات التركي في تنفيذ عمليات سرية خارج البلاد. وتشمل هذه الأنشطة – بحسب التقرير – نقل مرتزقة إلى مناطق نزاع في ليبيا وسوريا وقره باغ ومنطقة الساحل الإفريقي، وتقديم الدعم اللوجستي لجماعات مسلحة ذات صلة بتنظيمات متطرفة مثل “جبهة النصرة” و”حماس”.
كما ورد في التقرير أن طائرات عسكرية تركية استخدمت في نقل مقاتلين ومعدات إلى تلك المناطق، مقابل عمولات مالية تحصل عليها الشركة عن كل عنصر يتم تجنيده. وأشار إلى أن سادات نفذت حملات تضليل إعلامي لتغطية أنشطتها غير القانونية، ولتبرير تدخلاتها في النزاعات الخارجية تحت غطاء “الدعم الإنساني أو الاستشاري”.
أبعاد دولية وتحقيقات مرتقبة
من المتوقع أن يشكّل التقرير مرجعاً أساسياً في نقاشات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال نوفمبر 2025، ضمن البند المتعلق باستخدام المرتزقة. ويُتوقع كذلك أن تستند إليه منظمات حقوقية ومحاكم دولية، ولا سيما المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في تقييم قضايا مرتبطة بمحاولة الانقلاب والانتهاكات التي تلتها.
ويعتبر إدراج “سادات” في وثيقة أممية تطوراً لافتاً، كونه يضفي طابعاً رسمياً على اتهامات طالما تداولتها المعارضة التركية حول وجود “جيش موازٍ” يدين بالولاء المباشر لأردوغان، ويتولى تنفيذ مهام أمنية وسياسية في الداخل والخارج.
اتهامات محلية وتعقيدات سياسية
في السياق المحلي، أعاد التقرير الأممي الجدل حول دور سادات في البنية الأمنية للحكومة التركية. فقد سبق لعدد من الساسة الأتراك، أبرزهم زعيم حزب النصر أوميت أوزداغ، أن تحدثوا عن وجود شبكة نفوذ تديرها الشركة داخل مؤسسات الدولة، وتشارك في تشكيل ميليشيات مدنية مسلحة، وأن تانريفردي كان يشرف شخصياً على عمليات تجنيد وتدريب مجموعات من المدنيين قبل محاولة الانقلاب بأسابيع.
هذه الاتهامات – التي كانت تُعدّ “محظورة” في الخطاب السياسي التركي – وجدت الآن صدىً دولياً مع نشر التقرير الأممي، ما قد يضع أنقرة أمام أسئلة محرجة تتعلق بطبيعة علاقة الدولة بهذا الكيان، وحدود دوره في الأمن الوطني والسياسة الخارجية.
رمزية “الغلاديو التركي” وإرث الدولة العميقة
وصف سادات في التقرير بأنه “غلاديو تركي جديد” يعيد إلى الأذهان شبكات الدولة العميقة التي نشطت خلال الحرب الباردة في أوروبا. هذا التشبيه لم يأتِ من فراغ، إذ يرى المراقبون أن الشركة تمثل أداة لتشكيل نفوذ موازٍ للدولة، يعمل خارج الرقابة البرلمانية والقضائية، ويتداخل مع شبكات أيديولوجية وإسلامية عابرة للحدود.

