شهدت جامعة درو (Drew University)، وهي جامعة خاصة للفنون الحرة في مدينة ماديسون بولاية نيوجيرسي الأمريكية، انعقاد مؤتمر أكاديمي دولي من الثالث إلى الخامس من أكتوبر، خُصّص لبحث إرث المفكر الإسلامي التركي فتح الله كولن الراحل، ودراسة تأثيره في مجالات التعليم والحوار والسلام وبناء الهوية.
شارك في المؤتمر علماء دين وأكاديميون وقادة مجتمع مدني من الولايات المتحدة ودول أخرى، في لقاءٍ أعاد إلى السطح النقاش حول أحد أكثر الشخصيات الإسلامية تأثيراً وجدلاً في العصر الحديث.
فتح الله كولن: من إمام محلي إلى مفكر عالمي
وُلد كولن عام 1941 في ولاية أرضروم شمال شرقي تركيا، وبدأ حياته موظفاً في السلك الديني الرسمي قبل أن يتحول إلى داعية فكري وإصلاحي تربوي. بنى فكره على ثلاث ركائز أساسية: التعليم الحديث، والحوار بين الأديان، والمسؤولية المدنية، وهي المبادئ التي شكلت أساس ما عُرف لاحقاً بـ حركة “الخدمة“.
وبمرور السنوات، تحولت هذه الحركة إلى شبكة عالمية من المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الخيرية المنتشرة في أكثر من مئة دولة، أنتجت جيلاً من خريجيها الذين برزوا في العلوم والاقتصاد والفنون، وفق ما يؤكد أنصاره.
المنفى الأمريكي والجدل السياسي مع تركيا
انتقل كولن إلى الولايات المتحدة عام 1999 لتلقي العلاج، واستقر في ولاية بنسلفانيا حتى وفاته عام 2024. وخلال إقامته في المنفى، ازداد نفوذه الفكري على المستوى العالمي، غير أن مكانته في الداخل التركي أصبحت محوراً لتجاذبات سياسية حادة، إذ صنفته السلطات التركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 على أنه “زعيم تنظيم إرهابي“.
ورغم نفي كولن وأتباعه أي صلة لهم بالانقلاب، شنت الحكومة التركية حملة واسعة ضد مؤسسات “الخدمة“، أغلقت خلالها مدارسها وجمعياتها ووسائل إعلامها، واعتقلت عشرات الآلاف من الأشخاص بتهم تتعلق بالانتماء إلى الحركة.
تنظيم المؤتمر: تعاون بين مؤسسات فكرية ودينية أمريكية
جاء المؤتمر بتنظيم مشترك بين مدرسة “ريسبكت” العليا (Respect Graduate School) في بنسلفانيا، وهي مؤسسة أكاديمية متخصصة في الدراسات الإسلامية والفكر الاجتماعي، ومعهد جزر السلام (Peace Islands Institute)، وهو منظمة غير ربحية أمريكية تُعنى بتعزيز التفاهم بين الأديان والثقافات.
وانعقدت جلساته في عدة مواقع داخل الحرم الجامعي لجامعة درو، من بينها قاعة كراوفورد (Crawford Hall) ومركز “ذا سبيس ” (The Space)، وسط حضور متنوع من الأكاديميين والطلاب والباحثين.
كلمات افتتاحية ونقاشات فكرية متعددة الأبعاد
افتتحت الفعاليات بكلمة رئيسة جامعة درو هيلاري لينك، تلتها مداخلة من جوناثان غولدن، مدير مركز الأديان والثقافة والنزاعات في الجامعة، الذي أكد على أهمية الحوار الديني كوسيلة لتحقيق السلام المستدام.
كما تحدث سليمان إريش، رئيس مدرسة “ريسبكت”، ونوراي يورت، رئيسة مجلس إدارة معهد جزر السلام، مرحبين بالحضور ومؤكدين على إرث كولن كمفكر ركّز على التعليم الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية.
وألقى الباحث سكوت ألكسندر من الاتحاد اللاهوتي الكاثوليكي الكلمة الافتتاحية بعنوان “قراءة علامات العصر“، تلاها نقاش مفتوح مع الحاضرين.
وشارك في الجلسة الأولى العالم التركي سُعاد يلدريم، والكاتب عبد الله أيماز، والمسؤول الإعلامي السابق ناجي توسون، إلى جانب الناشط في مجال حقوق الإنسان أنس كانتر فريدوم، حيث قدّموا قراءات مختلفة لتأثير فكر كولن في الخطاب الإسلامي المعاصر. وقد أُتيح الحضور باللغتين التركية والإنجليزية مع خدمات الترجمة الفورية داخل القاعة وعبر منصة “زوم“.
محاور المؤتمر: التعليم، والحوار، والمرأة والهوية المسلمة
توزعت الجلسات على مدار ثلاثة أيام، وتناولت رؤية كولن للتربية والتعليم باعتبارها وسيلة لبناء الإنسان وتأسيس مجتمع معرفي أخلاقي، إضافة إلى العلاقة بين العلم والوحي في فكره الإصلاحي.
كما ناقشت الجلسات دور القيادة الخادمة في الفكر الكولني، وموقع المرأة في العمل المجتمعي والإسلامي، إلى جانب إشكاليات الهوية الإسلامية في الغرب.
وشارك في هذه المحاور باحثون بارزون مثل أوري سولتس وأوليفر ليمان ونيفين رضا وبلال أنصاري وألب أصلاندوغان ودريا إينير، الذين تناولوا العلاقة بين الفكر الكولني ومفاهيم السلام المجتمعي واللاهوت العملي والتعليم الخلاق.
قراءة تحليلية: من فكر الخدمة إلى هندسة السلم الاجتماعي
جاء انعقاد المؤتمر في وقتٍ لا تزال فيه حركة كولن موضوعاً حساساً في تركيا، إلا أن الاهتمام الأكاديمي المتجدد بفكره في الولايات المتحدة يشير إلى تحولٍ في مقاربة الغرب لهذا الإرث، من زاوية تتجاوز السياسة إلى دراسة النموذج المدني الذي جمع بين القيم الإسلامية والتعليم الحديث.
ويرى مراقبون أن هذه المبادرات الفكرية تمثل محاولة لإعادة تعريف الإرث الكولني بعيداً عن الاتهامات السياسية، مع التركيز على إسهامه في بناء جسور الحوار بين المسلمين والمجتمعات الغربية.

