تصاعدت حدة الأزمة السياسية في تركيا مع ما شهدته إسطنبول هذا الأسبوع من مشاهد اعتُبرت جزءاً من حملة أوسع لتقويض المعارضة. فقد اقتحم غورسيل تكين، القيادي المخضرم في حزب الشعب الجمهوري (CHP) والمُعيّن من المحكمة رئيساً لمجلس وصاية مؤقت، المقرّ الإقليمي للحزب تحت حراسة الشرطة.
دخول تكين فجّر اشتباكات مع أعضاء الحزب المعارض وقوات الأمن، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع، فيما أفاد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية بأن عدداً من الأشخاص فقدوا الوعي وتلقوا إسعافات عاجلة، بينما اعتُقل ما بين عشرة وعشرين شخصاً.
اتهامات “الهندسة القضائية“
غولستان كليتش كوچيغيت، نائبة رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الموالي للأكراد، انتقدت بشدة هذه التطورات ووصفتها بأنها “عمليات قضائية” تستهدف إضعاف المعارضة قبل الاستحقاقات المقبلة. وقالت في مؤتمر صحفي بالبرلمان إن قرارات المحاكم التي أطاحت بالقيادة الإقليمية لحزب الشعب الجمهوري في إسطنبول لا تعبّر إلا عن “رفض إرادة الشعب”، مضيفة: “الإصرار على أساليب غير قانونية يجر البلاد إلى هذا الوضع“.
امتداد لحملة أوسع ضد المعارضة
منذ مارس الماضي، تصاعدت الضغوط القضائية والأمنية ضد حزب الشعب الجمهوري الذي فاز بالمدن الكبرى في انتخابات 2024 ويتصدر استطلاعات الرأي متقدماً على حزب العدالة والتنمية الحاكم. أكثر من 500 شخص مرتبطين بالحزب أو ببلدية إسطنبول تعرضوا للتوقيف أو الاعتقال، بينهم خمسة عشر رئيس بلدية ما زالوا رهن السجن، فيما أُقصي رؤساء بلديات منتخبون وحلّ محلهم أوصياء حكوميون.
ذاكرة القمع المتكرر
كوچيغيت ذكّرت بأن حزب الشعوب الديمقراطي، سلف حزبها الحالي، كان أول ضحايا هذه السياسات منذ عام 2016، حيث أُقيل عشرات رؤساء البلديات المنتخبين وحُكم بسجن قياداته البارزين مثل صلاح الدين دميرتاش وفيغن يوكسك داغ. وأكدت أن الهدف لم يكن حزباً بعينه، بل مجمل الحياة الديمقراطية في تركيا. وأضافت: “موقفنا مبدئي، عندما استُهدف حزبنا وقفنا ضده، واليوم عندما يُستهدف الشعب الجمهوري نقف ضده، وغداً إذا استُهدف أي طرف آخر سنقف ضده أيضاً“.
تضامن بين المعارضة
في خطوة رمزية، زار رؤساء الحزب الكردي تولاي حاتم أوغولاري وتونجر بكرهان زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزجور أوزيل في مكتبه الجديد بمنطقة ساريير في إسطنبول، وهو المبنى الذي كان مقراً إقليمياً للحزب قبل أن تعيّن المحكمة مجلس وصاية عليه وتفرض الشرطة طوقاً أمنياً حوله. وأكد بكرهان أن الزيارة لم تكن مجرد مجاملة بل “إعلان إرادة مشتركة ضد الممارسات غير القانونية والمعادية للديمقراطية“.
موقف حزب الشعب الجمهوري
أوزيل شكر وفد الحزب الكردي على تضامنه، مؤكداً أن حزبه سيصمد في مواجهة محاولات تهميشه: “نحن واقفون شامخون… لن يسمحوا بتحويلنا إلى معارضة تابعة لجلالة الملك”، في إشارة إلى الرئيس رجب طيب أردوغان.
أبعاد قانونية حاسمة
تأتي هذه الأزمة قبل أيام قليلة من جلسة مرتقبة في 15 سبتمبر أمام محكمة مدنية في أنقرة للنظر في إبطال مؤتمر الحزب العام الذي عقد في نوفمبر 2023 وأسفر عن انتخاب أوزيل رئيساً. أي حكم ضد المؤتمر قد يطيح برئاسته ويؤدي إما إلى تعيين وصي قضائي أو الدعوة إلى مؤتمر جديد. وكانت محكمة إسطنبول المدنية قد ألغت بالفعل نتائج مؤتمر الحزب الإقليمي في 2023، ما أطاح برئيسه أوزجور تشيليك و195 عضواً من مجلس الإدارة وفتح الباب أمام تكليف تكين بقيادة مؤقتة.
قراءة في السياق السياسي
المشهد الحالي يعكس احتدام المواجهة بين السلطة والمعارضة في تركيا، حيث تستخدم الإجراءات القضائية لتقويض خصوم سياسيين يحققون تقدماً انتخابياً. منظمات حقوقية دولية تصف هذه التحركات بأنها ذات دوافع سياسية تهدف إلى إعادة هندسة الخريطة الحزبية عبر القضاء، فيما تحذّر المعارضة من أن هذه الممارسات تقوض أسس الديمقراطية التمثيلية وتحوّل التنافس السياسي إلى صراع وجودي.

