يشهد حزب الشعب الجمهوري، أقدم الأحزاب السياسية في تركيا وأبرز معارضي حزب العدالة والتنمية الحاكم، أزمة داخلية متصاعدة بعد قرار قضائي بتعيين لجنة وصاية مؤقتة على فرعه في إسطنبول، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة من قياداته وفتح الباب أمام جدل سياسي واسع النطاق.
رفض دخول أعضاء مجلس الوصاية إلى المقر
صرّح علي ماهر باشارير، النائب البارز ورئيس الكتلة البرلمانية المساعد في حزب الشعب الجمهوري، أن أعضاء المجلس المؤقت لن يُسمح لهم بدخول مقر الحزب في إسطنبول. وخصّ بالذكر السياسي المخضرم غورسل تكين، الذي عُيّن رئيساً للمجلس من قبل المحكمة، واصفاً قبوله بالمهمة بأنه “تصرف مخزٍ” يخدم السلطة الحاكمة.
باشارير شدّد في حديثه لقناة “خلق تي في“ على أن تكين إذا حاول دخول المقر يوم الإثنين “فلن يُسمح له حتى بالاقتراب”، مضيفاً أن “المكان المناسب له بات مقر حزب العدالة والتنمية لا مقر الشعب الجمهوري”. كما لوّح بأن أي عضو في الحزب يشارك أو يتعاون مع ما وصفه بـ”الانقلاب السياسي” سيواجه الطرد الفوري.
خلفيات القرار القضائي
تأتي هذه التطورات بعد أن ألغت محكمة الدرجة الأولى الخامسة والأربعون في إسطنبول نتائج مؤتمر فرع الحزب الذي جرى في خريف العام الماضي، وأبطلت انتخابات القيادة المحلية، ما أسفر عن إقالة رئيس الفرع أوزجور تشيليك وفريقه التنفيذي وتعليق عضوية نحو مئتي مندوب، فضلاً عن تجميد العملية الانتخابية الداخلية في أكبر فرع للحزب.
وبموجب القرار، عُيّن مجلس وصاية من خمسة أشخاص برئاسة غورسل تكين، وهو شخصية قديمة في الحزب تولى في السابق منصب الأمين العام في عهد كمال كليتشدار أوغلو. تكين أعرب عن “تفاجئه” من القرار لكنه أكد التزامه بقيادة الحزب نحو “مؤتمر جامع” وبمحاولة “إخراجه من دهاليز المحاكم“.
انعكاسات على القيادة المركزية
في موازاة ذلك، طلبت المحكمة المدنية الثانية والأربعون في أنقرة، التي تنظر في دعوى إبطال مؤتمر الحزب الوطني لعام 2023 وما تلاه من مؤتمر استثنائي في 2025، الاطلاع على ملفات المحاكم في إسطنبول المرتبطة بالانتخابات الداخلية، وذلك قبيل جلسة مهمة مقررة في منتصف سبتمبر.
هذه الخطوة توحي بأن قرار الوصاية على فرع إسطنبول قد يصبح جزءاً من معركة قضائية أوسع تتعلق بشرعية القيادة الحالية للحزب بزعامة أوزجور أوزيل.
يُذكر أن المؤتمر العام للحزب لعام 2023 شهد نهاية حقبة كليتشدار أوغلو وصعود أوزيل بدعم علني من رئيس بلدية إسطنبول المسجون أكرم إمام أوغلو، أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان.
ملاحقات جنائية لقيادات محلية
في تطور موازٍ، قبلت المحكمة الجنائية الثانية والسبعون في إسطنبول لائحة اتهام ضد عشرة من قيادات الحزب، بينهم رئيس الفرع المقال أوزجور تشيليك ورئيسا بلديتين في المدينة، بتهم تتعلق بـ “مخالفات في مؤتمر 2023″، حيث يواجهون أحكاماً تصل إلى السجن لثلاث سنوات، مع تحديد أولى الجلسات في يناير 2026.
دلالات سياسية واسعة
المراقبون يرون أن إسطنبول ليست مجرد فرع محلي للحزب بل تمثل ثقلاً سياسياً واقتصادياً حاسماً، خاصة وأنها معقل إمام أوغلو الذي بات رمزاً لمعارضة أردوغان. ومن هذا المنطلق، فإن المسار القضائي الجاري قد يُضعف التيار الداعم لأوزيل داخل الحزب ويفتح المجال أمام عودة كليتشدار أوغلو إلى الساحة إذا تم إبطال نتائج المؤتمرات.
في المقابل، تُظهر وسائل الإعلام الموالية للحكومة ورئيس الدولة نفسه تشكيكاً متزايداً في شرعية الانتخابات الداخلية للمعارضة، ما يعزز الانطباع بأن الأزمة القانونية تحمل أبعاداً سياسية تهدف لإضعاف الكتلة المعارضة الأكثر تأثيراً في البلاد.

