أعادت قضية المعلمة التركية مروة زايم (37 عامًا) الجدل حول معاملة النساء الحوامل في السجون التركية، بعد أن وضعت مولودها في مستشفى حكومي وهي قيد الحبس الاحتياطي، ما أثار انتقادات واسعة لسياسة أنقرة في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب، وتجاهلها لمعايير حقوق الإنسان.
تفاصيل القضية: من قاعة الدرس إلى الزنزانة
زايم، معلمة التربية الدينية وخريجة كلية الشريعة في جامعة مرمرة عام 2012، عملت في ثانوية “سامانيولو غُلبهار” في إسكيشهير، إحدى المؤسسات التعليمية التي أُغلقت بقرار حكومي عقب تصنيف حركة الخدمة منظمة “إرهابية” بعد محاولة الانقلاب في 2016.
حُكم عليها بالسجن أكثر من ست سنوات بتهمة الانتماء للحركة، استنادًا إلى عملها في مدرسة مرتبطة بها، وادعاءات باستخدام تطبيق “بايلوك” المشفر، بالإضافة إلى شهادات شهود. ورغم أن ملفها ما زال معروضًا أمام محكمة التمييز منذ أكثر من ثلاث سنوات، فإنها اعتُقلت في 2 يوليو الماضي أثناء محاولتها مغادرة البلاد، لتظل رهن الاحتجاز حتى أيامها الأخيرة من الحمل.
ولادة خلف القضبان
نُقلت زايم يوم الاثنين إلى مستشفى جامعة تراقيا في أدرنة، حيث أنجبت طفلًا ذكرًا وهي تحت حراسة أمنية مشددة. وكانت قد أمضت الأسابيع الأخيرة من حملها داخل سجن أدرنة، رغم المناشدات المتكررة لإطلاق سراحها.
زوجها علّق على المفارقة القانونية بالقول: “حتى لو صدر الحكم بشكل نهائي، كان يجب أن تُمنح حق تأجيل تنفيذ العقوبة بسبب الحمل. لكن رغم ذلك، أبقوها معتقلة دون صدور حكم قطعي“.
التناقض القانوني: حماية نظرية واحتجاز عملي
القانون التركي ينص في المادة 16/4 من قانون تنفيذ العقوبات على أنه لا يجوز سجن النساء أثناء فترة الحمل وحتى يبلغ الطفل 18 شهرًا من عمره. لكن هذه الحماية لا تُطبق إلا بعد صدور حكم نهائي، وهو ما تستخدمه المحاكم لتبرير الاحتجاز الاحتياطي للحوامل.
هذا التفسير، وفق الحقوقيين، يتعارض مع روح القانون المحلي، ومع المعايير الدولية مثل قواعد بانكوك الصادرة عن الأمم المتحدة، التي تدعو إلى اعتماد بدائل غير سالبة للحرية بالنسبة للنساء الحوامل والأمهات.
ثمانية أعوام من المحنة
زايم أوضحت أمام القضاة أن ملفها المستمر منذ ثماني سنوات دمّر حياتها الأسرية، مذكّرة بأن “طفلها الأول كان عمره 32 يومًا فقط عند اعتقالها لأول مرة”، وأنها اليوم تواجه وضعًا مشابهًا مع مولودها الجديد. ورغم هذه الشهادات الإنسانية، فإن المحكمة الجنائية العليا الثانية في إسكيشهير رفضت طلبات الإفراج عنها خمس مرات متتالية.
شهادات حقوقية: “ظروف غير إنسانية“
النائب والطبيب عمر فاروق جرجرلي أوغلو من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي زار زايم في سجنها، ووصف أوضاعها بأنها “غير مناسبة على الإطلاق لامرأة حامل”، مشيرًا إلى اكتظاظ الزنازين وغياب الرعاية الصحية اللازمة.
مراكز حقوقية مثل مركز ستوكهولم للحرية رصدت حالات مماثلة منذ 2016، مؤكدة اعتقال ما لا يقل عن 80 امرأة حامل، حُرمن في كثير من الأحيان من الرعاية الطبية، وفُصل بعضهن عن مواليدهن.
السياق الأوسع: أزمة الاعتقال الاحتياطي
القضية تسلط الضوء على مشكلة أعمق تتعلق باستخدام الاعتقال الاحتياطي المفرط في تركيا، خصوصًا في القضايا ذات الطابع السياسي. وقد أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنقرة مرارًا بسبب احتجاز متهمين لفترات طويلة دون أدلة كافية أو دون صدور أحكام قطعية.
التطورات الأخيرة
حتى مساء الاثنين، بقيت زايم تحت حراسة أمنية في المستشفى مع طفلها، وسط توقعات بإعادتها إلى السجن بعد خروجها، ما لم تتراجع المحكمة عن قرارها. هذه الخطوة إذا تمت ستفتح الباب لموجة جديدة من الانتقادات الدولية والمحلية حول تجاهل المعايير الإنسانية في التعامل مع النساء والأطفال داخل السجون.

