كشف تقرير صادر عن لجنة حقوق الإنسان المشتركة في البرلمان البريطاني، بتاريخ 30 يوليو/تموز، عن تورّط دولٍ استبدادية في إساءة استخدام أدوات الشرطة الدولية “الإنتربول” لقمع معارضيها في الخارج، وعلى رأس هذه الدول تركيا، إلى جانب الصين وروسيا وإيران.
التقرير أكد أن هذا النمط من “القمع العابر للحدود” لم يعد مجرد ادّعاء، بل حقيقة مدعومة بأدلة وشهادات موثقة، طالت حتى أراضي المملكة المتحدة.
تركيا ضمن “أكثر الدول إساءة” للإنتربول
وصف التقرير تركيا بأنها من بين “أكثر الدول إساءةً” لاستخدام نظام الإشعارات في الإنتربول، خصوصًا ما يُعرف بـ”الإشعارات الحمراء”، التي يُفترض أن تُستخدم لطلب توقيف وتسليم المشتبه في ارتكابهم جرائم خطيرة. إلا أن السلطات التركية، بحسب منظمات حقوقية ومراقبين دوليين، وظّفت هذه الإشعارات لملاحقة المعارضين السياسيين والمنشقين بدلاً من المجرمين الحقيقيين.
اللجنة دعت حكومة المملكة المتحدة إلى الضغط على الإنتربول من أجل إصلاح إجراءاته، والتنديد العلني بالدول التي تستغل النظام بشكل ممنهج، كما أوصت بإنشاء آلية لإخطار الأفراد عندما تُصدر بحقهم إشعارات ذات دوافع سياسية.
تلاعب بسجلات الوثائق المسروقة
لم يقتصر التقرير على الإشعارات الحمراء، بل كشف أيضًا عن إساءة تركيا لاستخدام قاعدة بيانات الإنتربول الخاصة بالوثائق المسروقة والمفقودة، وذلك من خلال الإبلاغ الكاذب عن فقدان جوازات سفر أو وثائق سفر، بهدف تسهيل ترحيل معارضين مستهدفين. هذه الأساليب، حسب التقرير، تُوظّف لتقييد حركة الأفراد قسرًا، وتحويلهم إلى أهداف سهلة للاعتقال أو الإعادة القسرية.
القمع العابر للحدود: من الداخل إلى الخارج
منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، تحوّلت سياسات القمع الداخلي في تركيا إلى حملة عابرة للحدود، استهدفت منتقدي الرئيس رجب طيب أردوغان وأنصاره السابقين، لا سيما المرتبطين بحركة “الخدمة” التي يقودها الراحل فتح الله كولن.
وقد أظهرت تقارير متعددة أن جهاز الاستخبارات الوطنية التركي (MİT) نفّذ أكثر من118 عملية اختطاف وإعادة قسرية منذ 2016، غالبًا بالتنسيق مع سلطات دول تفتقر إلى الشفافية أو حكم القانون. وتتنوع الوسائل بين الضغط الدبلوماسي، والمراقبة، والاختطاف، وحتى إساءة استخدام الاتفاقيات القانونية الدولية.
جذور الحملة ضد حركة كولن
بدأ التصعيد ضد حركة كولن إثر تحقيقات فساد عام 2013 طالت الدائرة المقربة من رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان وأفرادًا من عائلته. واعتبر أردوغان تلك التحقيقات محاولة “انقلابية” و”مؤامرة” حاكها أتباع كولن، ليتخذ قرارًا في مايو 2016 باعتبار الحركة “منظمة إرهابية”، وتصاعدت الحملة إثر اتهامها بتدبير انقلاب 15 يوليو/تموز 2016، وهو ما تنفيه الحركة بشدة، رافضة أي علاقة لها بالعنف أو الإرهاب.
نماذج حية لانتهاكات 2024
من أبرز القضايا التي أثارت استنكارًا عالميًا هذا العام، كانت عملية اختطاف لمواطنين أتراك يحملون حماية أممية في كينيا، في انتهاك مباشر للقانون الدولي، وقد قوبلت هذه العملية بإدانة واسعة من منظمات حقوق الإنسان.
كما قدّم الناشط ولاعب كرة السلة السابق في الدوري الأمريكي، أنس كانتر فريدوم، شهادة في يناير أمام لجنة فرعية في الكونغرس الأمريكي، كشف فيها تفاصيل عن حملات الملاحقة التركية، التي طالت أفراد أسرته، بما في ذلك سجن والده، ووضْع جائزة مالية قدرها 500 ألف دولار لمن يساعد في اعتقاله.
وفي فبراير، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرًا عالميًا حول القمع العابر للحدود، أكدت فيه أن جهاز الاستخبارات التركي يعمل مع حكومات هشة قضائيًا لإعادة المعارضين دون أي ضمانات قانونية.
أما في أبريل، فقد أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي لحقوق الإنسان، تفاصيل دقيقة حول “الحملة العالمية” التي تشنّها أنقرة ضد المنشقين، مشيرة إلى “وجود أدلة موثوقة على ممارسة الضغط الثنائي على حكومات أجنبية لاتخاذ إجراءات قسرية ضد أفراد معينين دون احترام الإجراءات القانونية“.
وفي ديسمبر من العام الماضي، نشرت صحيفة واشنطن بوست تحقيقًا مطولًا يكشف كيف استنسخت تركيا أساليب “الحرب على الإرهاب” الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر، لتبرير قمعها للمنفيين، خصوصًا من حركة كولن.
التعليم أيضًا هدف للقمع العابر
تمدد النفوذ التركي لم يقتصر على الأفراد، بل طال المؤسسات التعليمية أيضًا. فقد تمكّنت أنقرة من نقل ملكية مدارس مرتبطة بحركة الخدمة في دول مثل قيرغيزستان وبوركينا فاسو إلى مؤسسة “المعارف” التابعة للدولة، في إطار حملة منهجية أدّت إلى الاستحواذ على232 مؤسسة تعليمية في 21 دولة منذ عام 2016.
الجواسيس في العواصم الغربية
تُعد عمليات التجسس والمراقبة من الأدوات الأساسية في استراتيجية أنقرة الخارجية، إذ أفادت تقارير بأن الاستخبارات التركية نشطة في مراقبة التجمعات الاحتجاجية والأنشطة السياسية في بلدان غربية مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. وتشير وثائق مسربة إلى أن السفارات التركية تعمل كمراكز لجمع المعلومات عن المعارضين، بما يشمل صحفيين ونشطاء ومنفيين سياسيين.

