مؤامرة صامتة قادت إلى ليلة النار
رغم أن التقاليد العسكرية التركية تميل إلى الإبقاء على قادة القوات المسلحة في مناصبهم لفترات تتجاوز العامين، فإن إنهاء مهام القائد السابق للقوات الجوية الجنرال أكين أوزتورك في عام 2015، بعد عامين فقط من تسلمه المنصب، أثار العديد من علامات الاستفهام. مصادر قريبة منه تؤكد أن الإبعاد لم يكن تقاعدًا طبيعيًا، بل نتيجة لمواقفه التي حالت دون تمرير سياسات السلطة التنفيذية داخل المؤسسة العسكرية.
انقلاب في التعيينات
في اجتماع المجلس العسكري الأعلى، تقدّم الجنرال عابدين أونال بطلب لتولي منصب قائد القوات الجوية، وهو ما تحقق بالفعل. اللافت أن أوزتورك لم يكن على علم مسبق بهذه الخطوة رغم علاقته الوثيقة بأونال منذ أن كانا في رتبة النقيب والمقدم. هكذا بدأ فصل جديد من العزلة داخل القيادة العليا
اجتماعات سرية… استبعاد متعمّد
بين شهري يناير وفبراير 2016، عُقدت سلسلة من الاجتماعات المغلقة داخل هيئة الأركان، حضرها عدد محدود من الجنرالات. الغريب أن الجنرال أوزتورك، الذي كان متواجدًا في ذات المبنى بصفته عضوًا في المجلس العسكري الأعلى، لم يُدعَ لحضور أي من هذه اللقاءات. تتحدث الشهادات عن استبعاد متعمد، وأن شيئًا ما كان يُحاك في الظل.
هل خطّط خلوصي أكار لانقلاب أبيض؟
وفق شهادات العميد محمد يالين ألب، السكرتير الشخصي السابق لأكين أوزتورك، عبّر رئيس الأركان آنذاك خلوصي أكار، خلال زيارات خارجية إلى بلجيكا وإسبانيا، عن قناعته بضرورة “إنقاذ تركيا من انحدارها السياسي” عبر تدخل يشبه انقلاب عام 1980. في إحدى هذه اللقاءات قال أكار: “هذه الحكومة تحاول العودة بنا إلى ما قبل 1919… علينا أن نعود إلى عام 1980”. وهو تصريح يُترجم على أنه تمهيد لانقلاب عسكري يستعيد السيطرة على الحكم المدني.
بين الواجهة والخلفية
في مشهد بالغ التعقيد، لعب الجنرال خلوصي أكار دورًا مزدوجًا اتسم بدهاء استثنائي؛ إذ كان يُظهر نفسه بين كبار القادة والضباط كمن يقود تحضيرات لانقلاب وشيك ضد حكومة أردوغان، موحيًا بأنه يسعى لإنقاذ الدولة من مسار خطير.
كانت تلك عملية نفسية دقيقة ومدروسة، هدفها دفع مجموعة من القادة والجنود إلى الأمام، لإيهامهم بأن ثمة تحركًا حقيقيًا، ودفعهم إلى المشاركة في سيناريو مُعدّ مسبقًا.
لكن خلف هذا الستار المسرحي، كان أكار يتواطأ بهدوء ودهاء مع السلطة التنفيذية، محكمًا التنسيق مع الدائرة الضيقة المحيطة بأردوغان. فـ”الانقلاب” لم يكن انقلابًا، بل فخًا محكمًا صُمّم لجرّ عدد من القادة العسكريين نحو تهمة خيانة الدولة، ثم تصفيتهم المؤسسية والجسدية باسم الدفاع عن الديمقراطية.
وعلى أنقاض أولئك الذين أُطيح بهم، ارتقى أكار بهدوء إلى منصب وزير الدفاع، مكافأةً على ولائه وتنسيقه الكامل مع السلطة، مؤكدًا أن ما جرى في 15 تموز لم يكن سوى مسرحية قاتلة، كُتب نصها في الظل، ونُفذت بالدم، واعتُمدت نتيجتها لإعادة هندسة الدولة التركية.
سيناريو دموي
لم تكن الخطة، بحسب العميد المتقاعد أوريان كومبيجي، مجرد تحرّك عسكري محدود، بل هو يتحدث عن “مجزرة مخططة” لإعدام أكثر من 30 ألف شخص في ليلة واحدة: “في الواقع، كان هناك مخطط لجريمة مرعبة. أعتقد أنه كان من المخطط قتل ما بين 25 إلى 30 ألف شخص، وكان يُراد تنفيذ سيناريو دموي بحيث لا يتمكن أي أحد في تاريخ الجمهورية التركية من الحديث عن 15 تموز. نعم، خططوا قتل ما بين 25 إلى 30 ألف شخص، ولم يكن يُراد لأحد أن يتحدث بعدها.
ويشير إلى أنه كان من المُخطط تحميل المسؤولية لفريق قاعدة أكينجي، مع تدمير القاعدة نفسها، كانوا سيُقتلون جميعا، ومن ثم تُطوى القضية بسرعة دون إطالة في الإجراءات القضائية، وتُدفن في رفوف التاريخ المغبرة كحادثة منسية. ثم سضيف: “دليل بسيط على هذا هو أن حفل تخرّج القوات الخاصة في 2016، والذي يُقام عادة في أغسطس، تم تقديمه إلى 14 يوليو بأمر خاص من خلوصي أكار. وفي 14 يوليو، عُقد اجتماع استمر ثلاث ساعات، حضره هاكان فيدان، وخلوصي أكار، والجنرالين ياشار غولر، وزكائي أقساكاللي. وبعد مغادرة الآخرين، استمر اللقاء بين هاكان فيدان وخلوصي أكار وحدهما لثلاث ساعات إضافية.
ثم يعقب العميد المتقاعد بقوله: “هذا لا يتوافق مع سير الأمور أو منطق الأحداث. فرئيس الأركان بالطبع يمكنه الاجتماع برئيس جهاز الاستخبارات، لكن هذا اللقاء يكون رسميًا، في مقر محدد، وبحضور مساعدين. أما أن يجتمع الاثنان وحدهما، دون حضور أي شخص آخر، فهو أمر غير طبيعي أبدًا“.
سيناريو التضحية بالقادة الميدانيين
في الأشهر التي سبقت ليلة 15 تموز/يوليو 2016، بدأ الجنرال إسماعيل غوني كايا، وفقًا لشهادة الملازم أول أمره أتيش، بوضع خطط طوارئ سرّية تتضمن إمكانية تحليق طائرات التزود بالوقود على مدار الساعة. لم يُفصح غوني كايا عن الأسباب، لكن القادة ظنوا أن الأمر يندرج ضمن استعدادات دفاعية ضد تهديدات خارجية. لكن ما بدا في ظاهره مناورات اعتيادية، كان يُخفي وراءه هدفًا أكثر غموضًا.
في صباح يوم الانقلاب المزعوم، وتحديدًا في الساعة العاشرة صباحًا من 15 تموز، أجرى غوني كايا اتصالًا مباشرًا بقائد القاعدة الجوية، وطلب منه الانتقال إلى خط الهاتف المشفر. وفي اتصال مقتضب قال له: “هناك عملية كبيرة لمكافحة الإرهاب ستجري مساء اليوم. جهّز ثلاث طائرات للتزود بالوقود. لا تخبر أحدًا. فقط أخبر قائد السرب دون الدخول في تفاصيل، وقل له ألا يُبلغ أي شخص. اختاروا الطيارين الذين سينفذون المهمة وانتظروا أوامري.”
وبالفعل، حلّقت تلك الطائرات في سماء العاصمة ليلة 15 تموز بناءً على هذه التعليمات المباشرة من إسماعيل غوني كايا، الذي لا يزال حتى اليوم يشغل منصب قائد القوات الجوية القتالية، ويُتوقّع أن يُعيّن لاحقًا قائدًا عامًا للقوات الجوية.
أما قائد القاعدة الذي تلقّى الأمر ونفّذه بحذافيره، فهو يقبع منذ تسع سنوات في السجن بتهمة المشاركة في الانقلاب، دون أن تُؤخذ أقواله على محمل الجد. ورغم مطالبه المتكررة أمام المحكمة بالكشف عن التسجيلات الهاتفية التي تؤكد تلقيه أوامر مباشرة من قائده، فإن تلك الأدلة لا تزال طي الإهمال أو الطمس المتعمّد.
ما حدث يعكس مفارقة مريرة في منظومة العدالة العسكرية التركية، فبينما يتم ترفيع صاحب القرار إلى أعلى المناصب، يُعاقَب منفّذ الأوامر بأقسى العقوبات، في مشهد يعزز الشكوك بأن بعض الضباط قد استُخدموا كبيادق في لعبة أكبر منهم، ثم أُحرقوا لحماية من هم أعلى رتبةً وقرارًا.
عائلات تعرف الانقلاب قبل السياسيين!
ويقول ضابط الأركان السابق اللواء إبراهيم قوجامان إنه من المفارقات التي تُثير الشك، أن أحد الضباط علم بوقوع الانقلاب من زوجة الفريق نهاد كوكمان، العضو في مجلس الأركان في بروكسل، قبل أي إعلان رسمي، حيث قالت في مكالمة: “أخيرًا فعلتها جماعة كولن!”. يتساءل قوجامان: “فهل كانت هذه المعلومة ضمن تسريبات مُنظّمة؟ أم دلالة على وجود من يعلم بالخطة مسبقًا؟ وإلا فكيف علمت زوجة الفريق بالانقلاب المزعوم ومن يقف وراءه قبل أي إعلان رسمي في هذا الصدد”.
محاولة اغتيال الجنرال أوزتورك
العقيد أورْيان كومبَجي يعطي معلومة “مؤكدة” قائلا: “في صباح 16 يوليو، وبينما حاول الجنرال أوزتورك مغادرة قاعدة أكينجي، معقل الانقلابيين، بمروحية، بالتنسيق مع خلوصي أكار، تعرّضت مروحيته لإطلاق نار مباشر، حيث أمر رئيس الوزراء بن علي يلدريم بتفجير الطائرة مع الجنرال أوزتورك، مما اضطره للعودة، ليدرك هناك أن اللعبة انقلبت ضده، وأنه تم استدراجه ليكون كبش فداء لخطة معقدة.“
بإقصاء أوزتورك، عبر اتهامه وزملائه بتدبير انقلاب 2016، رغم غياب أدنى صلة له به، خسر الجيش التركي، وفق زملائه، قائدًا بحجم دولة. أربعون عامًا من الخبرة والخدمة أُطيح بها دون محاكمة عادلة أو فرصة للدفاع. وضع في أدنى قوائم “الانقلابيين”، ولم يُسمح له بمواجهة من اتهموه، ولا بإسماع شهادته.

