في خطوة تعكس التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا تجاه المظلومين، أصدر الكاتب النرويجي والصحفي والوزير السابق أود أندش فيت كتابًا يوثق شهادات اللاجئين الأتراك في بلاده، ممن فرّوا من تركيا عقب محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 15 يوليو 2016.
الكتاب الذي حمل عنوان “دموع تركية: لاجئون في النرويج يتحدثون عن التعذيب والانتهاكات”
“ (Tårer: Flyktninger i Norge om tortur og overgrep)، صدر عن دار نشر هوريسونت عام 2024، ويعكس تجربة شخصية وإنسانية عميقة لمؤلفه، الذي عرف الجالية التركية منذ ما قبل الانقلاب، وشارك في ندوات واجتماعات حوارات الأديان لسنوات طويلة.
من الصداقة إلى الدفاع: “إخوتي بحاجة إليّ“
في مقابلة مع الكاتب الصحفي بنيامين تكين من موقع Turkish Minute، قال فيت إن علاقاته الممتدة مع المسلمين الأتراك – عبر منصات الحوار الإسلامي المسيحي اليهودي لأكثر من 15 عامًا – دفعته للكتابة: “هؤلاء إخوتي وأخواتي… وعندما يحتاجونني، أكون في المكان الصحيح.”
علاقاته تلك تعود إلى ما قبل حملة القمع التي شنتها الحكومة التركية على حركة الخدمة، وهي مبادرة مدنية عالمية ذات مرجعية إسلامية ألهمها الراحل فتح الله كولن، والذي وافته المنية في أكتوبر 2024 بعد سنوات من المنفى في الولايات المتحدة، على حد تعبير فيت.
“دموع تركية”: شهادات حية عن القمع والمنفى
الكتاب استند إلى عشرات المقابلات مع لاجئين أتراك يعيشون في النرويج، والذين اضطروا للفرار من بلدهم هربًا من حملات الاعتقال والتعذيب والفصل التعسفي بعد الانقلاب. من بين هؤلاء، اختار فيت أن ينشر شهادات20 لاجئًا بأسمائهم الحقيقية، موثقًا قصصًا تقشعر لها الأبدان تشمل رجلا احتُجز37 شهرًا في الحبس الاحتياطي دون محاكمة، وامرأة وضعت طفلها في السجن دون أي رعاية طبية مناسبة، وحالات تعذيب داخل مراكز الشرطة، وانفصال أسر، ووفاة أقارب أثناء الهروب من تركيا، ومشاعر خوف مستمر من الملاحقة، حتى بعد الاستقرار في النرويج.
قال فيت متأثرًا: “لم تكن دموعًا تركية فقط… بكيت أنا أيضًا.”

الانقلاب والقمع: جذور الأزمة
تعود بداية الأزمة إلى عام 2013، حين أطلقت القوات الأمنية والقضائية تحقيقات فساد طالت الدائرة الضيقة لرئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان، وأفرادًا من أسرته.ردًا على ذلك، اتهم أردوغان حركة الخدمة بتدبير “انقلاب قضائي”، وأعلنها “تنظيمًا إرهابيًا” في مايو 2016، قبل شهرين فقط من محاولة الانقلاب المثيرة للجدل، بعد حملة شيطنة إعلامية طيلة ثلاث سنوات.
وفي أعقاب الانقلاب، أطلقت الحكومة حملة تطهير هائلة شملت مختلف قطاعات الدولة شملت390,354 شخصًا تم توقيفهم بتهم تتعلق بالإرهاب أو محاولة الانقلاب،113,837 تم اعتقالهم رسميًا، بينهم ضباط، ومعلمون،و قضاة، ورجال أعمال، وصحفيون، بل وحتى ربّات بيوت وأطفال.
أوروبا المترددة وأردوغان المتسلط
يحمّل أندش فيت الحكومات الأوروبية، بما فيها حكومة بلاده، مسؤولية الصمت والتقاعس في مواجهة ما وصفه بـ”الانتهاكات الممنهجة والمستمرة لحقوق الإنسان في تركيا“. يقول: “القيم التي تحكم النظام التركي لم تتغير منذ 2016… الناس لا تزال تُسجن وتُلاحق… حتى في النرويج.”
ويضيف فيت بنبرة غاضبة: “القادة الأوروبيون يسيرون بأحذية مطاطية، بينما أردوغان يرتدي أحذية مسننة.”
كما حذّر من تراجع مستوى الحماية الممنوحة للاجئين الأتراك في النرويج مقارنة بالسنوات الأولى بعد الانقلاب: “في 2018، كانت الأمور أسهل. اليوم، قلة فقط يُقبل طلب لجوئها. وبعض الأسر تواجه خطر الترحيل. هذا عار.”
التهديدات مستمرة… حتى في المنفى
رغم وجود أكثر من22,000 لاجئ تركي في النرويج – وفقًا لإحصائيات واردة في الكتاب – إلا أن فيت يشير إلى استمرار التحرشات والمضايقات ضدهم بدءا من مطاردات على وسائل التواصل الاجتماعي، مرورا بوصم داخل المساجد المحلية، وانتهاء بمحاولات تشويه سمعة وحتى متابعة استخباراتية غير رسمية.
قال فيت: “إنهم لا يزالون لاجئين حتى في النرويج… ويحتاجون للحماية.”
من ستوكهولم إلى ستراسبورغ: صوت في الميادين
شارك أود أندش فيت في مظاهرة 25 يونيو 2025 في ستراسبورغ، التي نظمتها منصة Peaceful Actions Platform احتجاجًا على تجاهل مجلس أوروبا لتنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بحق تركيا، خاصة في قضايا رجل الأعمال عثمان كافالا، والسياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش، المدرّس المفصول يوكسل يالتشن قايا وأمثالهم.

حوار مع كولن ووصال إنساني
روى فيت زيارته لكولن عام 2018 في منفاه الأمريكي، قائلًا إنها كانت تجربة إنسانية خالدة: “منذ اللحظة الأولى، شعرت أنه صديق. وعندما أصبت بالسرطان، أرسل لي الزهور والكتب والرسائل. تذكّرني كأخ.”
كما عبّر عن تأييده لرؤية كولن في استخدام التعليم لمواجهة التطرف: “رسالته حول أهمية المدارس ومساعدة الفقراء من خلال التعليم… رسالة عالمية.”
رسالة إلى أوروبا: لا تتظاهروا بالنوم
في ختام حديثه، وجّه الكاتب النرويجي رسالة واضحة وصريحة إلى حكومات أوروبا:“كونوا صادقين. أنتم تعلمون ما يحدث، لكنكم لا تقولونه بصوت عالٍ. لا يمكننا النوم بينما أردوغان يواصل إيذاء شعبه… هؤلاء أناس يحبون تركيا.”
تطورات سياقية: الذكرى التاسعة للانقلاب… والمحاسبة الغائبة
يصادف هذا الأسبوع الذكرى التاسعة لمحاولة الانقلاب، وسط تصاعد الانتقادات الدولية حيال تجاهل أنقرة لأحكام القضاء الأوروبي. في المقابل، تتواصل حملات التضييق على المعارضين في الداخل والخارج، دون مؤشرات على تراجع القبضة الأمنية، أو التزام حقيقي بمبادئ سيادة القانون.

