في تقرير هو الأول من نوعه، صنّف المؤشر العالمي للتعذيب 2025 الصادر عن المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب (OMCT) تركيا ضمن قائمة الدول ذات الخطر المرتفع في ما يتعلق بممارسات التعذيب وسوء المعاملة، مستندًا إلى معطيات دقيقة ورصد منهجي لانتهاكات حقوق الإنسان خلال عامي 2023 و2024.
ويأتي هذا التصنيف في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية للسجل الحقوقي التركي، وخاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016 وما أعقبها من موجات اعتقال وتشريعات استثنائية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
منهجية المؤشر ومصادره
أُعدّ المؤشر بالتعاون مع ثلاث منظمات حقوقية تركية وهي: جمعية حقوق الإنسان(İHD)، وجمعية المحامين من أجل الحرية (ÖHD)، ومؤسسة المجتمع والدراسات القانونية (TOHAV)، حيث تم تقييم أداء الدول عبر سبعة محاور رئيسية تشمل الالتزام السياسي، وظروف الاحتجاز، والفضاء المدني، وحماية الضحايا، والإطار القانوني للتعويض، والرقابة والشفافية، والحق في الدفاع.
ويغطي التقرير 26 دولة عبر خمس فئات، من “منخفض المخاطر” إلى “مرتفع جدًا”. وصُنفت تركيا ضمن الفئة ما قبل العليا، إلى جانب دول مثل الهند وتونس والمكسيك.
انتهاكات ممنهجة خلف ستار “مكافحة الإرهاب”
يشير التقرير إلى أن التعذيب وسوء المعاملة في تركيا يُمارسان بشكل خاص خلال التحقيقات ذات الطابع السياسي، لا سيما في ظل قانون مكافحة الإرهاب رقم 3713، الذي تستغله السلطات لتوقيف معارضين سياسيين وصحفيين ونشطاء أكراد، في ظل تعريف فضفاض وغامض لمفهوم “الإرهاب”، يفتح الباب أمام التجريم الموسّع دون رقابة قضائية فعالة.
أكبر منظومة سجون في أوروبا… وواقع كارثي
تُعد تركيا الآن الدولة ذات أكبر عدد من السجناء بين أعضاء مجلس أوروبا الـ46، حيث يتجاوز عدد نزلاء السجون 416,000 شخص، بمعدل احتجاز يبلغ424 شخصًا لكل 100 ألف نسمة، ما يشير إلى نسبة إشغال تصل إلى 109.2٪.
أكثر من 4,000 شخص يقضون عقوبات بالسجن المؤبد دون إمكانية الإفراج المشروط، وهو ما اعتبرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حكم صدر عام 2014 انتهاكًا لحق السجين في “الأمل”.
يشير المؤشر إلى أن العزل الانفرادي الطويل في سجون تركيا عالية الحراسة غالبًا ما يصل إلى مستويات تُصنف وفق معايير الأمم المتحدة (قواعد نيلسون مانديلا) كـ”تعذيب”.
عنف الشرطة وإفلات من العقاب
يوثق التقرير استخدامًا واسعًا وممنهجًا للعنف الشرطي، خاصةً أثناء التظاهرات السلمية، مثل استخدام الغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي، وخراطيم المياه، والضرب المبرح بشكل متكرر، والإفلات من العقاب من خلال قوانين تشترط إذنًا إداريًا لمحاكمة المسؤولين الرسميين، وهو ما يقيد ملاحقة الجناة.
ورغم تسجيل أكثر من7,500 شكوى تعذيب خلال العقد الأخير، بما فيها781 حالة في عام 2023 فقط، لم تقدم الحكومة بيانات مفصلة عن عدد التحقيقات أو الإحالات أو الإدانات.
ثغرات قانونية وغياب للرقابة المستقلة
رغم أن تركيا صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وبروتوكولها الاختياري، إلا أنها لم تصادق على اتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري، رغم وجود 1,388 حالة موثقة، منها 233 حالة تتضمن مواقع دفن معروفة.
كما أن المادة 94 من القانون الجنائي التركي التي تعرّف التعذيب لا تتوافق بالكامل مع المعايير الدولية، فضلا عن أن الهيئة الوطنية التركية لحقوق الإنسان والمساواة (TİHEK)، المكلفة بآلية منع التعذيب، توصف بأنها فاقدة للاستقلالية، إذ يُعيّن أعضاؤها بالكامل من قبل رئيس الجمهورية، وتُتّهم بعدم الشفافية أو الجرأة في نشر تقارير عن الانتهاكات.
تراجع حماية النساء والفئات المهمشة
انسحاب تركيا عام 2021 من اتفاقية إسطنبول لمناهضة العنف ضد المرأة، اعتُبر نكسة كبيرة في مجال حماية حقوق المرأة، حيث تعاني النساء، خاصة الأمهات الجدد، من ظروف احتجاز قاسية ونقص الرعاية الصحية.
كشف التقرير أيضا أن الأطفال المحتجزين مع أمهاتهم يعانون من نقص التعليم والخدمات الأساسية، وأن المهاجرين في مراكز الترحيل، مثل مركز “هارماندالي” في إزمير، يتعرضون لسوء المعاملة، والتمييز ضد محاميهم.
فضاء مدني خانق وتجريم للمعارضة
يسجل المؤشر خطورة عالية في مجال حرية التنظيم والتعبير، فالقوانين مثل قانون الاجتماعات والتظاهرات رقم 2911 تُستخدم لتجريم الاحتجاجات السلمية.
ومنذ 2020، خضعت منظمات المجتمع المدني الممولة من الخارج لرقابة صارمة، وواجه النشطاء الأكراد، والصحفيون، ومدافعو حقوق مجتمع الميم محاكمات متكررة.
يشير التقرير إلى سجن ناشطين بـ18 عامًا لمشاركتهم في احتجاجات سلمية، كما يبرز استمرار احتجاز الناشط الحقوقي عثمان كافالا والزعيم الكردي صلاح الدين دميرتتاش رغم قرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بإطلاق سراحهما.
الشفافية… مقيدة
صنّف المؤشر تركيا بأنها “مقيدة الشفافية”، وهي الدرجة الثانية من الأدنى في مقياس من خمس درجات، مشيرًا إلى صعوبات الوصول إلى المعلومات العامة، لا سيما للصحفيين المستقلين والمنظمات الحقوقية، علما أن الحكومة رفضت نشر تقارير اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب، وكذلك تقارير اللجنة الفرعية الأممية لمنع التعذيب.
توصيات عاجلة للحكومة التركية
ودعا التقرير السلطات التركية إلى التصديق على اتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري، ومواءمة القانون الجنائي مع التعريف الدولي للتعذيب، ومعالجة الاكتظاظ في السجون وتحسين الرعاية الصحية داخلها، وضمان تحقيقات مستقلة وعادلة في مزاعم التعذيب، وتدريب الموظفين العموميين وفقًا لبروتوكول إسطنبول، مع تركيز على العنف الجنسي، إلي جانب تعديل قوانين مكافحة الإرهاب والتظاهر التي تُستخدم لتجريم النشاط السلمي.
قراءة في السياق السياسي والحقوقي
يتزامن هذا التقرير مع تصاعد الضغوط الدولية على تركيا، خاصةً في ظل تصاعد النزعة السلطوية، وتآكل سيادة القانون، وتضييق الفضاء المدني. وقد أعادت زيارة السيدة الأولى أمينة أردوغان الأخيرة إلى الفاتيكان قبل يومين الجدل حول التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي التركي الخارجي وسجله الحقوقي الداخلي.

