للسنة الرابعة على التوالي، تجمع أمس آلاف المنفيين الأتراك ونشطاء حقوق الإنسان وممثلون عن المجتمع المدني الأوروبي في ستراسبورغ، أمام مباني مجلس أوروبا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، للمطالبة بتدخل أوروبي عاجل ضد الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان في تركيا، والتي تصاعدت بشكل منهجي منذ محاولة الانقلاب المزعومة في عام 2016.
مطالبات بتفعيل أدوات الضغط على أنقرة
رغم صدور أحكام من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECtHR) تُدين تركيا بانتهاك حقوق المعتقلين السياسيين، مثل عثمان كافالا وصلاح الدين دميرطاشويوكسل يالتشينكايا، إلا أن أنقرة تجاهلت تنفيذ هذه القرارات. ووجّه المتظاهرون انتقادات حادة للمحكمة ومجلس أوروبا لعدم استخدامهما الأدوات القانونية والسياسية المتاحة لفرض التزام تركيا بالأحكام.
قضية يالتشينكايا… العدل المؤجل
قضية يوكسل يالتشينكايا، المعلم التركي الذي أُدين بتهم تتعلق بالإرهاب عام 2017، تعود إلى الواجهة بعد أن أعاد القضاء التركي إدانته في سبتمبر 2024، رغم حكم المحكمة الأوروبية في 2023 بوقوع انتهاك صارخ لحقوقه الأساسية.
ورغم دعوة المحكمة لأنقرة بوضع خطة لمعالجة الانتهاكات الممنهجة، تشير التقارير إلى أن السلطات اعتقلت 6,503 شخصًا منذ صدور حكم يالتشينكايا، استنادًا إلى أدلة مشابهة كالانضمام لحركة “الخدمة” أو استخدام تطبيق بايلوك.
الحملة على حركة “الخدمة”: من الدعم إلى التجريم
تُعد حملة القمع ضد حركة الخدمة، التي تستوحي من فكر الراحل فتح الله كولن، النقطة المحورية في احتجاجات ستراسبورغ. فقد كانت الحركة، التي تدير شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والجمعيات الخيرية، تحظى بدعم حكومي علني حتى عام 2013.
لكن بعد فضائح الفساد التي طالت مقربين من الرئيس أردوغان، اتهم الأخير الحركةَ بالوقوف وراء “انقلاب قضائي”، وصنّفها “منظمة إرهابية” في مايو 2016 بعد حملة شيطنة إعلامية في نظر المجتمع استمرت نحو ثلاث سنوات. وبدأت بعد الانقلاب المثير للجدل أوسع حملة تطهير في تاريخ تركيا الحديث، شملت تحقيقات بحق أكثر من 705,000 شخص، وسجن ما لا يقل عن 13,251 شخصًا حتى اليوم.
رمزية الاحتجاج: جدار العدالة وعروض مسرحية
الاحتجاج، الذي نظمته منصة الأفعال السلمية، المكونة من 24 منظمة مجتمع مدني، تضمن عروضًا رمزية وتفاعلية، من أبرزها جدار العدالة بطول 20 مترًا، مرسوم يدويًا، يبرز مشاهد لانتهاكات في تركيا، ومُجسّمات كرتونية بحجم الإنسان تمثل ضحايا القمع، وعرض مسرحي ساخر يُجسد تواطؤ المؤسسات الأوروبية من خلال نشرة أخبار خيالية تسلط الضوء على قضايا حقيقية.
وشهدت المظاهرة تقديم خطابات ورسائل من ضحايا الاعتقالات، وتسليم رسالة احتجاج رسمية لرئيس المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ماتيا غويومار تطالب بتسريع البت في القضايا، وتناسد مجلس أوروبا لاتخاذ مواقف أكثر حزماً.
حرية الصحافة في مرمى النار: كاراجا وبارانسو نموذجًا
سلّط المحتجون الضوء على الاحتجاز المستمر لصحفيين بارزين وهما هداية كاراجا، مدير مجموعة Samanyolu الإعلامية المغلقة حاليا، أتم عقدًا في السجن، بتهم لصلته بحركة الخدمة ويواجه حكما بالسجن300 سنة، وذلك رغم أن المحكمة الأوروبية أقرت في 2023 بوقوع انتهاك في قضيته. فضلا عن محمد بارانسو،الصحفي الاستقصائي المعروف، الذي يحتجز بتهمة الإرهاب منذ 2015، بعد أن كشف تقاريره الإخبارية عن استعداد مجموعة عسكرية مرتبطة بـ”تنظيم أرجنكون” لانقلاب عسكري في عام 2007 وفساد حكومي مرتبط بواردات الأرز الفاسدة في 2013.
تضامن دولي: من ركوب الدراجات إلى رسائل الأمل
شارك في المظاهرة أيضًا نواب ونشطاء حقوق الإنسان من عدة دول أوروبية، إلى جانب متظاهرين من دول أوروبية عدة عبر حملة “ركوب الدراجات من أجل الحقوق“، حيث نظّموا رحلات تضامنية بدراجاتهم نحو ستراسبورغ. كما انضم إلى الاحتجاج موظفون حكوميون مفصولون، وأسر معتقلين، وناشطون حقوقيون، في مشهد يوحّد الأصوات المطالبة بالعدالة.

