قال البروفسور والمحلل السياسي التركي صواش جنتش إن حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان، رغم سيطرتها شبه المطلقة على الإعلام التقليدي والرقمي داخل تركيا، أظهرت هشاشتها عندما حظرت حساب زعيم المعارضة البارز أكرم إمام أوغلو على منصة “X” داخل البلاد.
في فيديو نشره عبر قناته على يوتيوب، وصف جنتش خطوة حظر الوصول إلى حساب إمام أوغلو على إكس بأنها “صورة مأساوية لدولة تمتلك آلاف المنابر، لكنها تعجز أمام تغريدة واحدة”.
أولًا: إمبراطورية إعلامية تحت خدمة السلطة
أوضح جنتش كيف أن أردوغان ضخ مليارات الدولارات في شراء أو السيطرة على معظم وسائل الإعلام في تركيا عبر التمويل المباشر من ميزانية الدولة، و”الهبات” من رجال الأعمال عبر ما يُعرف بـ”صندوق الإعلام”، وإرسال ممثلين و”أوصياء” إلى مؤسسات إعلامية مستقلة لوضع حدود لسياسة تحريرها، واستخدام الهيئات الرقابية المختلفة للتهديد وفرض الرقابة.
ورغم هذا النفوذ، وجد أردوغان نفسه “مرعوبًا” أمام حساب على موقع X، لا يملك صاحبه (إمام أوغلو) سوى وسيلة رقمية واحدة للتواصل مع أنصاره من محبسه.
ثانيًا: حظر رقمي بأمر قضائي مشكوك فيه
أشار جنتش إلى أن قرار حظر حساب إمام أوغلو على X جاء تحت مبرر “نشر دعاية لتنظيم إجرامي”، رغم عدم صدور لائحة اتهام رسمية حتى الآن، وعدم توفر أدلة جنائية دامغة، وغياب أي حكم قضائي نهائي، مما يكشف، بحسب جنتش، عن قضاء موجّه سياسيًا، ينفّذ أوامر السلطة التنفيذية بتغليف قانوني هش، موجّه بالأساس للرأي العام غير المطلع.
ثالثًا: القاضي الذي أمر بالحظر.. سجل مقلق
كشفت الصحافة التركية، وفقًا لتحليلات جنتش، أن القاضي الذي أصدر قرار حظر حساب إمام أوغلو سبق أن رفع الحجز عن ممتلكات سزجين باران كوركماز، رجل الأعمال المتهم دوليًا بالاحتيال، كما أسهم في حذف تقارير إعلامية ضد شركة “سادات” الأمنية (منظمة شبه عسكرية تورطت في أعمال غير شرعية في الداخل التركي والمنطقة)، وحزب هدى بار، وحزب الله التركي المواليين للحكومة، ما يسلّط الضوء على وجود شبكة قضائية منظمة، تتحرك بتنسيق مع النظام السياسي لإعادة تشكيل النظام التركي عبر القضاء لا صناديق الاقتراع.
رابعًا: ترامب، ماسك، و”تحالف الأوتوقراطيين”
ربط جنتش بين قرار كل من اعتقال إمام أوغلو وحظر الوصول إلى حسابه ومهاتفة أردوغان الأخيرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وزعم أن قرار المنصة الأمريكية بحظر حساب إمام أوغلو جاء عقب هذا المهاتفة مباشرة، ما يعزز فرضية وجود تواطؤ دولي بين الزعماء الأوتوقراطيين ضد الديمقراطيين. وأضاف: “نحن أمام مشهد واضح لتحالف عالمي غير معلن بين أنظمة تسعى لكتم أصوات المعارضة تحت غطاء السيادة الوطنية”.
خامسًا: خنق سياسي وإعلامي متكامل
جنتش قال إن عملية اعتقال إمام أوغلو لم تروِ ظمأ السلطة، فانتقلت من الزنزانة إلى تكميم الفضاء الرقمي. وأوضح أن إمام أوغلو معتقل احتياطيًا، دون محاكمة، ولا يملك حق الرد، وأن الحكومة تسعى لـ”محو أثره السياسي”، وكأن “إمام أوغلو لم يكن يومًا رئيسًا لبلدية إسطنبول، ولم يكن مرشحا للرئاسة وحصل علي دعم 15 مليون مواطن. واعتبر أن الأمر ليس فقط سلبًا لحريته، بل محاولة لمحو ذاكرة جماعية بأكملها.
سادسًا: موقف المعارضة وردود الأفعال
لفت جنتش إلى موجة تضامن داخلية وخارجية، حيث أعلن رئيس بلدية أنقرة، منصور يافاش، أنه وضع حسابه الرسمي تحت تصرف إمام أوغلوو، وبدأ الشباب التركي بحملات إلكترونية لدعم حرية التعبير، والأهم أن الاتحاد الأوروبي علّق رسميًا مفاوضات الانضمام مع تركيا بسبب “تدهور الديمقراطية”.
سابعًا: المفارقة التاريخية.. من معايير كوبنهاغ إلى سجن المعارضة
ذكّر جنتش بلقاء شخصي بينه وبين أردوغان في بروكسل في العقد الأول من حكمه حين قال الأخير: “إذا أوقفت أوروبا مفاوضات انضمام تركيا، سنطلق على معايير كوبنهاغ اسم معايير أنقرة للاستمرار في مسيرتنا. شعبنا يستحق ديمقراطية من الدرجة الأولى.” ثم علق بقوله: “نفس الحاكم الذي استخدم أوروبا لتمرير الإصلاحات وخداع المجتمع الدولي، هو من يحرق اليوم جسور تركيا مع العالم الديمقراطي لأجل الاحتفاظ بالسلطة”.
ثامنًا: “إمام أوغلو بلا صوت”… خطة السيطرة على المستقبل
رأى جنتش أن الهدف الحقيقي من كل هذا هو ضمان انتخابات بلا منافسين حقيقيين، إذ إن النظام لا يستطيع هزيمة إمام أوغلو في صندوق الاقتراع، لذا يسعى إلى شيطنته قانونيًا، ومنعه من الترشح مستقبلًا، وكسر معنويات المعارضة.
لكن على الرغم من محاولات العزل الرقمي، نشر إمام أوغلو تغريدة على حسابه المفتوح في خارج تركيا، موجها فيها خطابه إلى أردوغان: “الخوف لا يؤخر الأجل… سترحلون. ما رأيت ولا سمعت بسياسي يخاف من خصمه إلى هذا الحد، يفقد أعصابه ويتصرف بارتباك ويضغط على كل الأزرار دفعة واحدة. حتى لو سجنتَني أو حظرتَ حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي، هناك أمر واحد نسيته: في هذا البلد، هناك ملايين يشبهون أكرم. #إمام_أوغلو_موجود_في_كل_مكان.”
تاسعًا: مسار تركيا.. بين خيارين
ختم البروفسور جنتش تحليله قائلاً: “إما أن نعيش تحت نظام استبدادي تُدار فيه الانتخابات كما تُدار المسرحيات، أو نشهد ميلاد تجربة ديمقراطية تركية فريدة تفرض نفسها رغم القمع”.

