أعلنت القمة العاشرة لمبادرة البحار الثلاث (3SI)، المنعقدة في العاصمة البولندية وارسو في 29 أبريل 2025، انضمام تركيا وإسبانيا إلى المبادرة بصفة شركاء استراتيجيين، بحسب البيان الختامي المشترك.
كما تم اعتماد كل من الجبل الأسود وألبانيا كعضوين رسميين جديدين في المبادرة، التي انطلقت عام 2015 لتعزيز التعاون الإقليمي بين دول الاتحاد الأوروبي الواقعة بين البحر الأدرياتيكي والبلطيق والأسود.
مبادرة البحار الثلاث: منصة أوروبية متنامية الأهمية
تتألف المبادرة حالياً من 13 دولة من الاتحاد الأوروبي، وتهدف إلى تطوير التعاون عبر الحدود في مجالات الطاقة، والنقل، والبنية التحتية الرقمية، ضمن محور شمال-جنوب أوروبا.
ورغم انطلاقتها كمنصة مخصصة لدول الاتحاد الأوروبي، فإن الاهتمام الدولي بالمبادرة تنامى بشكل ملحوظ، مع انضمام عدة أطراف غير أعضاء في الاتحاد، في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة واشتداد الصراعات الإقليمية، خاصة في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية على حدود بولندا الشرقية.
الرئيس البولندي أندجيه دودا، وفي كلمته الافتتاحية بالقمة التي أقيمت في القصر الملكي بوارسو، قال: “قمة هذا العام تكتسب أهمية استثنائية في ظل الوضع الجيوسياسي الراهن. أعتقد أن انضمام شركاء جدد سيزيد من فعالية التعاون الإقليمي.”
الدور التركي: جسـر جغرافي واستراتيجي بين أوروبا وآسيا
جاء انضمام تركيا في توقيت حاسم، إذ تسعى دول أوروبا الوسطى والشرقية إلى تنويع مسارات الطاقة، وتحديث ممرات النقل، وتعزيز بنيتها الرقمية. وتمثل تركيا شريكاً محورياً في هذه الرؤية، نظراً لموقعها الاستراتيجي كبوابة بين أوروبا وآسيا.
مثل وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، بلاده في الجلسة العامة للقمة، التي شهدت مشاركة رؤساء دول وحكومات. وأكد في كلمته أن المبادرة تُعد قوة دافعة للتنمية الإقليمية: “تحولت مبادرة البحار الثلاث خلال عقد من الزمان من فكرة طموحة إلى قوة مؤثرة في التنمية والاندماج الأوروبي. ومشاريع مثل ‘فيا كارباتيا’ و’ريل بالتكا’ تعكس هذا الطموح المشترك.”
تركيا كانت قد شاركت بصفة “ضيف خاص” في القمة التاسعة التي عُقدت في فيلنيوس في أبريل 2024، إلى جانب المملكة المتحدة وفنلندا والجبل الأسود وإسبانيا وإسرائيل. وبعد تلك المشاركة، تقدمت أنقرة بطلب رسمي للشراكة الاستراتيجية، ونالت الموافقة بالإجماع في قمة وارسو الأخيرة.
هيكل المبادرة: ثلاثة مستويات من الشراكة
تنقسم المشاركة في المبادرة إلى ثلاث مستويات:
- الأعضاء المشاركون: دول الاتحاد الأوروبي فقط.
- الشركاء الاستراتيجيون: دول ومؤسسات تساهم في أهداف المبادرة مالياً أو دبلوماسياً، ومنهم: الولايات المتحدة، المفوضية الأوروبية، ألمانيا، اليابان، تركيا، وإسبانيا.
- الشركاء المشتركون: دول غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي لكنها تتماشى مع أهداف المبادرة، مثل أوكرانيا ومولدوفا.
مشاريع استراتيجية: من “فيا كارباتيا” إلى الأمن الطاقي
تتوافق مشاريع البنية التحتية التركية مع أولويات المبادرة، وأبرزها مشروع فيا كارباتيا، وهو ممر بري يبدأ من ليتوانيا ويمتد عبر شرق أوروبا وصولاً إلى اليونان وتركيا، ما يعكس عمق التكامل بين الرؤية التركية والمبادرة الأوروبية.
تضم المبادرة حالياً 143 مشروعاً ذا أولوية، يهدف إلى سد فجوات كبيرة في البنية التحتية بالمنطقة، وتبلغ التقديرات التمويلية اللازمة بحلول عام 2030:
- النقل: 290 مليار يورو
- الطاقة: 88 مليار يورو
- الاتصالات: 160 مليار يورو
وتُعد مساهمة تركيا في هذه المشاريع عاملاً محورياً في تحقيق الأهداف التنموية، لاسيما في مجالات أمن الطاقة، وربط الممرات اللوجستية، والابتكار الرقمي.
أهمية رمزية وجيوسياسية
يتجاوز الدور التركي الجانب الفني والاقتصادي، إذ يحمل دلالات سياسية بارزة. فالمبادرة توفّر بديلاً فاعلاً للتعاون الأوروبي دون الاعتماد على آليات الانضمام الرسمي إلى الاتحاد الأوروبي، وتُسهم في الوقت ذاته في تعميق التكامل الأوروبي وتعزيز الروابط عبر الأطلسي، في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات تتعلق بالتوسّع والأمن الإقليمي.

