اتهم الطالب في قسم التاريخ بجامعة إسطنبول، أرين أونَر، قوات الشرطة التركية بتعذيبه أثناء احتجازه، وذلك عقب نشره مقاطع مصورة وصوراً على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، توثق -بحسب قوله- ممارسات عنيفة من قبل قوات مكافحة الشغب ضد متظاهرين كانوا يحتجون على توقيف رئيس بلدية إسطنبول المُقال، أكرم إمام أوغلو.
وقد أُلقي القبض على أونَر في 24 مارس من منزله، بعد أن شارك سلسلة من المشاهد التي تظهر أفراد الشرطة وهم يفرقون المتظاهرين بعنف في حديقة “سراج خانة” وسط إسطنبول، إذ ظهر بعضهم ممدداً على الأرض ويداه مكبلتان خلف ظهره.
مقاطع مصورة منشورة من قبل الشرطة نفسها
وأشار أونَر إلى أن جزءاً من المقاطع التي أعاد نشرها كان قد نُشر سابقاً من قبل بعض عناصر الشرطة أنفسهم، مرفقة بتعليقات ساخرة أو نابية. وقد قام بتجميعها وإعادة نشرها دون تعليق، مكتفياً بالإشارة إلى هوية العناصر الظاهرة في الصور من خلال حساباتهم العامة على وسائل التواصل. وأوضح أنه لم يكن يهدف إلى التحريض، بل إلى توثيق الانتهاكات والتحقق من صحتها.
وقد حظيت هذه المنشورات بانتشار واسع على المنصات الرقمية، ما جعله عرضة لملاحقة أمنية.
تعذيب أثناء الاحتجاز وتجاهل طبي لحالته
في شهادة نشرها لاحقاً على حسابه الشخصي، تحدث أونَر عن تفاصيل تعرضه للتعذيب منذ لحظة توقيفه. إذ قال إنه نُقل إلى مديرية أمن إسطنبول في شارع وطن، وأنه تعرض خلال الرحلة التي لم تتجاوز 15 دقيقة للصفع والركل والضرب المتكرر. وأضاف أن ضابطاً كان في سيارة أخرى صرخ قائلاً: “اسحقوه”، قبل أن ينضم إليهم ويشارك في الاعتداء عليه.
ورغم وجود كدمات واضحة على وجهه وأذنيه، أكد أونَر أن الطبيب الذي فحصه في المستشفى لم يُدرج هذه الإصابات في التقرير الطبي الإلزامي، ما يُعد مؤشراً على تواطؤ محتمل في التستر على التعذيب.
تحقيقات مهينة وتهديدات داخل مركز الشرطة
ووفقاً لروايته، فقد أُدخل أونَر إلى غرفة تحقيق، حيث وُضع في منتصف الغرفة وسُئل عن انتمائه إلى “تنظيم غير قانوني”، وحين أنكر أي علاقة، استُؤنفت عمليات الضرب. كما اتهم عناصر الشرطة بالتحرش الجنسي وتوجيه عبارات مهينة ذات طابع رهاب المثلية. وقال إن أحدهم حاول لمسه من فوق ملابسه، بينما قام آخر بلمس صدره، وعندما أبدى مقاومة، اتُهم بـ”المثلية” وتعرض للسخرية.
وبحسب إفادته، فإن أحد الضباط هدده بفبركة صور ومقاطع مشينة ونشرها من حسابه الشخصي على مواقع التواصل.
نقل إلى السجن وإثباتات طبية لاحقة
بعد احتجازه، نُقل أونَر إلى سجن “مترس”، حيث بقي حتى الإفراج عنه في 9 أبريل. وخلال هذه الفترة، تمكن لاحقاً من الحصول على تقارير طبية من خمس مؤسسات صحية مختلفة، توثق إصاباته، التي شملت كدمات في الوجه والذراعين والظهر والمعصمين.
وقد تطوع فريق قانوني للدفاع عنه، وأكد أونَر عزمه رفع دعاوى قانونية ضد العناصر المتورطة في تعذيبه، قائلاً: “سأواصل النضال، لقد قطعت وعداً لأصدقائي الذين تعرضوا لظلم مماثل”.
خلفية سياسية: حملة قمع متصاعدة ضد معارضي أردوغان
يأتي هذا الحادث في سياق أوسع من التوترات السياسية في تركيا، حيث تُوجّه انتقادات متزايدة إلى الحكومة بسبب قمعها المتواصل لأصوات المعارضة. ويُعد أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول السابق، أبرز هذه الشخصيات، إذ يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره المنافس الوحيد القادر على هزيمة الرئيس رجب طيب أردوغان في صناديق الاقتراع.
وقد أدين إمام أوغلو بتهم فساد يرفضها بشدة، كما يخضع أيضاً لتحقيق في قضايا تتعلق بالإرهاب، ما أثار موجة احتجاجات عارمة في إسطنبول ومدن أخرى، تُعد الأكبر منذ أكثر من عشر سنوات.
قلق متزايد من انتهاكات حقوق الإنسان
وفي ضوء هذه التطورات، توثق منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية تصاعد استخدام القوة المفرطة، وعمليات الاعتقال الجماعي، والقيود على حرية الصحافة والتجمع. وغالباً ما يُنشر عناصر مكافحة الشغب خلال الاحتجاجات، وسط تكرار الاتهامات بارتكاب انتهاكات بحق المتظاهرين والمحتجزين.
وقد أشار “مركز ستوكهولم للحرية” في تقريره السنوي بعنوان “التعذيب، وسوء المعاملة، وظروف السجون في تركيا: مراجعة 2024” إلى تزايد حالات التعذيب في السجون التركية، وهو ما يعزز القلق الدولي المتصاعد بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في البلاد، لا سيما منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، التي أعقبها تشديد القمع ضد المعارضين السياسيين، وزيادة ملحوظة في شكاوى التعذيب في مراكز الاحتجاز والسجون.

