في تطوّر لافت يعكس تحوّلاً في مواقف طهران الإقليمية، كشف «حزب الله» اللبناني عن استعداده لمناقشة مسألة سلاحه، وذلك بعد أيام قليلة من تسريبات تفيد بموافقة قادة في ميليشيا «الحشد الشعبي» في العراق على نزع السلاح وحل الفصائل المسلحة.
ويرى مراقبون أن هذا التزامن لم يأتِ صدفة، بل هو جزء من قرار إيراني محسوب يسعى إلى تهدئة الأوضاع مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، استعداداً لجولة مفاوضات مرتقبة في مسقط بين الوفد الإيراني والأميركي.
مخاوف من تصعيد أميركي – إسرائيلي تدفع نحو التهدئة
ويبدو أن إيران، التي باتت تخشى تصعيداً عسكرياً أميركياً أو إسرائيلياً، ولا سيما في ضوء مواقف ترامب الحازمة تجاه حركات مسلحة كـ«حماس» و«الحوثيين»، تسعى إلى إظهار مرونة محسوبة عبر دفع حلفائها في لبنان والعراق نحو إبداء استعداد لمناقشة نزع السلاح.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة العرب اللندنية، تستهدف هذه الخطوة كسب الوقت وتهدئة الأجواء لتفادي أي تصعيد يعرقل مفاوضات مسقط، المقرر عقدها يوم السبت المقبل، خاصة في ظل ضغوط إسرائيلية تدفع باتجاه استهداف البرنامج النووي الإيراني.
تراجع القدرات العسكرية لـ«حزب الله»
وتأتي هذه الخطوة في ظل تغيّر جذري في موازين القوى في المنطقة، حيث بات «حزب الله» في وضع ضعيف مقارنةً بسنوات سابقة، بعد أن خرج منهكاً من حرب العام الماضي التي أوقعت آلاف القتلى في صفوفه وأسفرت عن مقتل عدد من أبرز قادته، إضافة إلى تدمير جزء كبير من ترسانته الصاروخية بفعل الضربات الإسرائيلية.
كما أن فقدانه لدعمه اللوجستي بعد تراجع النفوذ السوري، نتيجة سقوط حليفه بشار الأسد، أدى إلى قطع خطوط الإمداد القادمة من إيران، ما زاد من عزلته وهشاشة موقعه العسكري.
حوار لبناني داخلي حول سلاح الحزب
في هذا السياق، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول كبير في “حزب الله” أن الحزب مستعد لمناقشة مستقبل سلاحه مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، شريطة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ووقف غاراتها الجوية.
وأشارت ثلاثة مصادر سياسية لبنانية إلى أن الرئيس عون، الذي يحظى بدعم الولايات المتحدة، يعتزم إطلاق حوار مع “حزب الله” بشأن ترسانته، تماشياً مع التزامه منذ توليه المنصب في يناير الماضي بأن يظل السلاح حكراً على الدولة اللبنانية.
مقترحات لتسليم السلاح تدريجياً
ووفق مصادر مطّلعة على توجهات الحزب، فإن «حزب الله» يدرس خيار تسليم أسلحته الثقيلة، بما فيها الطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للدبابات، إلى الجيش اللبناني، ولكن في المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، تماشياً مع بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة.
وفي هذا الإطار، شدد مصدر رسمي لبناني على أن «رئيس الجمهورية كان قد أعلن في خطاب القسم عن ضرورة حصرية السلاح بيد الدولة، وعن اعتماد إستراتيجية أمنية وطنية»، موضحاً أن العمل يجري حالياً على تفعيل هذا التوجه من خلال فتح قنوات حوار مع المعنيين، بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.
دعم كنسي ودولي للمبادرة
كما عبّر بطريرك الطائفة المارونية في لبنان، بشارة بطرس الراعي، عن دعمه لهذا المسار، معتبراً أن الوقت قد حان لحصر السلاح بيد الدولة، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب مقاربة دبلوماسية مدروسة، بالنظر إلى أن لبنان لا يحتمل حرباً جديدة.
الموقف الأميركي من نزع السلاح
على الصعيد الأميركي، أعربت مورغان أورتيغاس، المبعوثة الأميركية التي زارت بيروت مطلع الأسبوع، عن تأييد واشنطن لنزع سلاح “حزب الله” والجماعات المسلحة الأخرى، مشيرة إلى أن الجيش اللبناني هو الجهة المعنية بتنفيذ هذه المهمة. كما شددت على أن إسرائيل لن تقبل إطلاق النار على أراضيها من قبل “إرهابيين”، وهو موقف قالت إن الولايات المتحدة تتفهمه تماماً.
مواقف داخلية تدعو إلى جدول زمني للحل
وفي السياق ذاته، دعا كمال شحادة، الوزير المنتمي إلى “حزب القوات اللبنانية” المعارض لـ”حزب الله”، إلى وضع جدول زمني لا يتجاوز ستة أشهر لتسليم السلاح، مشيراً إلى تجارب سابقة مشابهة جرت بعد الحرب الأهلية.
مؤشرات مماثلة في العراق
أما في العراق، فقد أفادت وكالة رويترز بأن جماعات مسلحة مدعومة من إيران، وعلى رأسها “الحشد الشعبي”، أعربت للمرة الأولى عن استعدادها للتخلي عن سلاحها، في محاولة لتفادي التصعيد مع واشنطن.
ويأتي هذا الموقف في ظل قلق متزايد داخل الحرس الثوري الإيراني من مواجهة محتملة مع إدارة ترامب، خاصة بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في يناير 2020.
إيران تبحث عن صفقة استراتيجية
ويقول مراقبون إن إيران تسعى لإقناع واشنطن بأنها تمتلك النفوذ الكافي لفرض التهدئة في المنطقة، تماماً كما كانت قادرة على التصعيد، في محاولة لتوظيف هذا النفوذ كورقة تفاوضية، وليس تعبيراً عن عداء إستراتيجي مع الولايات المتحدة.
بذلك، يبدو أن المصلحة الإيرانية في إنجاح مفاوضات مسقط وتفادي التصعيد مع واشنطن قد تفوقت – مرحلياً على الأقل – على مصالح أذرعها المسلحة في المنطقة، في خطوة تعكس مرونة سياسية تهدف إلى إعادة التموضع في سياق إقليمي متغير.

