أفاد عبد الحميد أوزتورك، الباحث المتخصص في الدراسات الإسلامية، بأن السياق العالمي الراهن يفرض تحديات معقدة على القادة السياسيين، لا سيما فيما يتعلق بإدارة الأزمات والاحتجاجات الشعبية. وأشار إلى أن دراسة أنماط القيادة السياسية تكشف عن اختلافات جوهرية في طريقة تعامل الزعماء مع الحراك الشعبي، الأمر الذي يفضي إلى تباين في النتائج على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
الاحتجاجات في تركيا والبرازيل: مقارنة بين نهجين قياديين
تطرق أوزتورك في الفيديو الذي نشره عبر صفحته على موقع يوتيوب، إلى المقارنة بين احتجاجات عام 2013 التي اندلعت في كلٍّ من تركيا والبرازيل، مشيرًا إلى أن القيادة السياسية في البلدين اتبعت نهجين مختلفين تمامًا في التعامل مع المتظاهرين. ففي البرازيل، واجهت الرئيسة آنذاك، ديلما روسيف، الاحتجاجات عبر تبني خطاب عقلاني يرتكز على الاستماع إلى مطالب الشارع والتفاعل الإيجابي معها. وذكر أن روسيف لم تلجأ إلى نزع الشرعية عن المحتجين، بل أكدت على أن مظاهراتهم تعكس مخاوف حقيقية، وهو ما جعل الأزمة تنحسر سريعًا.
في المقابل، لفت أوزتورك إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتخذ موقفًا مغايرًا، حيث انتهج سياسة تصعيدية قائمة على تخوين المحتجين واتهامهم بالعمالة لقوى خارجية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة بدلاً من احتوائها. وأضاف أن هذا النهج لم يقتصر على احتجاجات عام 2013، بل ظل سمة بارزة في طريقة تعامله مع أي تحركات شعبية لاحقة.
البعد الديني والتاريخي في قراءة التحولات السياسية
أعاد أوزتورك للأذهان أن تحليل التحولات السياسية لا يمكن فصله عن السياق الديني والتاريخي. وأشار إلى أن القرآن الكريم يؤكد على أن الظلم لا يدوم، وأن الأنظمة التي تقوم على الاستبداد والقمع تواجه نهايات حتمية، مستشهدًا بقوله تعالى: “وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا” (سورة الكهف، 59).
كما شدد على أن ما تشهده تركيا اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار تاريخي يمتد إلى قرن من الزمان. وذكر أن التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال هذه الفترة تعكس صراعًا بين اتجاهين متباينين: أحدهما يسعى إلى ترسيخ العدالة والحقوق، والآخر يُقدِّم المصالح السياسية والاقتصادية على حساب المبادئ الأخلاقية.
الديناميات العالمية والقمع الممنهج للاحتجاجات
أوضح أوزتورك أن القمع السياسي لا يقتصر على تركيا، بل بات ظاهرة عالمية تتجلى في تعامل الدول الغربية مع الحركات الاحتجاجية. وأشار إلى أن الاحتجاجات المؤيدة لغزة في الولايات المتحدة وأوروبا قوبلت بإجراءات قمعية شديدة، رغم ادعاء تلك الدول بأنها حامية لحقوق الإنسان وحرية التعبير.
وفي هذا السياق، أضاف أوزتورك أن أردوغان، على الرغم من خطابه المناهض للغرب في بعض الأحيان، إلا أنه في ممارساته الفعلية لا يخرج عن الإطار الذي يخدم المصالح الغربية. وأردف أن سياساته الأمنية وطريقة تعامله مع المعارضين تتماهى مع النهج الذي تتبعه الحكومات الغربية، مما يعكس حالة من التناقض بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية.
أهداف السياسة التصعيدية
ونقل أوزتورك قصة مثيرة من فم أردوغان في محاولة للكشف عن ملامح سياسة أردوغان التصعيدية القائمة على تخوين المحتجين واتهامهم بالعمالة لقوى خارجية، ومواقفه المتماشية مع الغرب رغم خطاباته المعادية له، حيث نشر في نهاية تحليله تسجيلا مصورا يسرد فيه أردوغان القصة المذكورة قائلا: “كان هناك مهندس زراعي استقل القطار متجهًا إلى عاصمة بلاده، وجلس بجواره فلاح مسن يحمل كيسًا بين قدميه. لاحظ المهندس أن الفلاح كان يحرك الكيس كل ربع ساعة تقريبًا، ويقلب ما بداخله، ثم يعيده إلى وضعه السابق. لم يستطع المهندس كبح فضوله، فسأل الفلاح عن سبب قيامه بذلك. أجابه الفلاح قائلاً: “أنا أجمع الفئران والجرذان من الحقول وأبيعها لمركز أبحاث في العاصمة لاستخدامها في التجارب المعملية، وما في الكيس الآن هو هذه الفئران والجرذان.” فقال له المهندس: “لكن لماذا تحرك الكيس كل فترة؟” ابتسم الفلاح وأجاب: “لو تركتهم دون تحريك لفترة طويلة، سيهدؤون ويبدأون في قضم الكيس حتى يثقبوه ويهربوا. لكن عندما أقلبهم كل فترة، فإنهم يبقون في حالة خوف وتوتر مستمر، وينشغلون في النزاع فيما بينهم، فلا ينتبهون للكيس ولا يحاولون الهرب. بهذه الطريقة، أضمن إيصالهم إلى وجهتهم دون أي مشاكل، إلى أن أبيعهم لمركز الأبحاث”.
الخاتمة: مآلات القمع والعدالة التاريخية
خلص أوزتورك إلى أن دراسة التاريخ تثبت أن الأنظمة التي تعتمد على القمع وإسكات المعارضين قد تنجح في فرض سيطرتها لفترة معينة، لكنها لا تستطيع الصمود أمام حركة التاريخ وسنن التغيير. وأكد أن الأنظمة التي تتجاهل مطالب الشعوب وتلجأ إلى الحلول الأمنية بدلًا من الإصلاحات الحقيقية تظل مهددة بانفجارات اجتماعية غير متوقعة.
وفي الختام، شدد على أن التجارب التاريخية تثبت أن العدالة، حتى وإن تأخرت، لا بد أن تتحقق، وأن مصير الزعماء لا يتحدد بقدرتهم على البقاء في السلطة لفترات طويلة، بل بمدى عدالتهم واستجابتهم لطموحات شعوبهم.

