تقرير: ياوز أجار
يتبع حزب التجمع الوطني (RN) اليميني المتطرف في فرنسا استراتيجية تقارب مع إسرائيل والجاليات اليهودية، في تحول جذري عن تاريخه المليء بالخطابات المعادية للسامية. ويُنظر إلى هذا التغيير على أنه جزء من جهود الحزب لكسب الشرعية، سواء في السياسة الداخلية أو على الساحة الدولية.
التحول التاريخي والاستراتيجية الجديدة
منذ تأسيسه، عُرف حزب التجمع الوطني بخطاباته المعادية للسامية ومواقفه المناهضة لإسرائيل. فقد وصف مؤسس الحزب، جان ماري لوبان، المحرقة اليهودية بأنها “حدث فرعي في التاريخ”، مما أثار موجة استنكار واسعة. كما تبنى الحزب لفترة طويلة سياسة داعمة للفلسطينيين. غير أن الحزب، بقيادة مارين لوبان وحالياً برئاسة جوردان بارديلا، يسعى إلى تغيير هذه الصورة. إذ وصف بارديلا معاداة السامية بأنها “سمٌّ”، وأكد تضامن الحزب مع إسرائيل. وفي هذا السياق، يطرح الحزب بشكل علني هدفه في إقامة تحالف مع الجاليات اليهودية لمواجهة ما يسميه “الإسلاموية”.
الأهداف الاستراتيجية والدوافع
وفقاً للبروفيسور سادات لاتشينر، فإن هذا التحول الاستراتيجي للحزب اليميني الفرنسي ينبع من عدة عوامل أساسية:
- كسب الشرعية: يسعى الحزب إلى الابتعاد عن ماضيه المعادي للسامية بهدف توسيع قاعدته الانتخابية.
- تعزيز الخطاب المعادي للإسلام: من خلال التقارب مع الجاليات اليهودية، يسعى الحزب إلى إضفاء الشرعية على خطابه المناهض للإسلام.
- كسب الدعم الدولي: يهدف الحزب إلى تعزيز موقفه على الساحة الدولية عبر كسب تأييد إسرائيل واللوبيات اليهودية العالمية.
- تحقيق مكاسب داخلية: يسعى الحزب إلى استقطاب الناخبين اليهود في فرنسا، وفي الوقت ذاته توجيه انتقادات لاذعة للأحزاب اليسارية بسبب دعمها للقضية الفلسطينية.
ردود الفعل والنتائج
أثار هذا التحول الاستراتيجي ردود فعل متباينة بين مختلف الأوساط: فقد أبدى بعض اليهود الفرنسيين تأييدهم لمواقف الحزب المناهضة للإسلام والهجرة، في حين عبّرت فئات أخرى عن شكوكها في نوايا الحزب، مؤكدة أنها لا تنسى تاريخه المعادي للسامية. أما الأحزاب اليسارية، فقد انتقدت بشدة هذا التوجه، مؤكدة استمرار دعمها للقضية الفلسطينية.
السياق الدولي
في مقطع فيديو نشره على قناته على يوتيوب، تناول سادات لاتشينر هذا التوجه الجديد من منظور “صراع الحضارات”، مشيراً إلى أن مساعي التقارب مع إسرائيل ليست مقتصرة على فرنسا، بل تجد صدى لها في دول أخرى. ففي هولندا، يتبع خيرت فيلدرز استراتيجية مماثلة، وكذلك بعض الجماعات اليمينية المتطرفة في بريطانيا وبعض الشخصيات السياسية في الأرجنتين، حيث يسعون إلى إقامة تحالفات مع الجاليات اليهودية وإسرائيل. ويرى لاتشينر أن هذا التطور يتماشى مع طرح صامويل هنتنغتون حول تشكيل “تحالف يهودي-مسيحي” في إطار صراع الحضارات.
الآفاق المستقبلية
يرى لاتشينر أن هذا التحول الاستراتيجي قد يكون له تداعيات كبيرة على المشهدين السياسيين الفرنسي والأوروبي. فبينما يسعى الحزب إلى التخلص من تهمة معاداة السامية، فإنه في الوقت نفسه يعزز خطابه المناهض للإسلام، مما قد يسهم في تصاعد الخطاب الديني والهوياتي في السياسة الأوروبية. ويحذر لاتشينر من أن هذه التوجهات قد تؤدي، على المدى المتوسط والبعيد، إلى زيادة الضغوط على الأقليات المسلمة في أوروبا وإلى تفاقم التوترات الاجتماعية.
أما التأثير النهائي لهذه التغيرات، فسيعتمد على الانتخابات القادمة والتطورات الدولية. ولكن من الواضح أن هذه المستجدات ستلعب دوراً مهماً في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في فرنسا وأوروبا مستقبلاً.

