شهد مؤتمر بروكسل للمانحين حول سوريا، الذي عُقد أمس الاثنين برعاية الاتحاد الأوروبي، تطورًا سياسيًا لافتًا من خلال مشاركة وفد رسمي من الحكومة السورية الانتقالية، برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني. وتعد هذه المشاركة الأولى من نوعها، إذ لم تكن الحكومة السورية ممثلة في الدورات السابقة للمؤتمر، ما يعكس تحولًا في الديناميكيات الدولية تجاه الإدارة الجديدة في دمشق.
جاءت هذه الخطوة في ظل تحولات سياسية عميقة شهدتها سوريا بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر الماضي وتولي حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، المدعوم من ائتلاف قادته هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا). ورغم استمرار إدراج الشرع على لائحة “الإرهاب” الأمريكية، فإن المجتمع الدولي بدأ في التعامل مع حكومته بشكل أكثر واقعية، بهدف منع انهيار البلاد ودعم استقرارها الاقتصادي والسياسي.
أبعاد المؤتمر: بين الدعم الإنساني والاعتراف السياسي
ركز مؤتمر بروكسل، إلى جانب تعزيز الدعم المالي، على الأبعاد السياسية للأزمة السورية، حيث بات ينظر إلى مشاركة حكومة الشرع كخطوة نحو إضفاء الشرعية الدولية عليها. ورأت كريستينا كاوش، المحللة السياسية في الصندوق الألماني مارشال، أن هذه المشاركة تعد تقدمًا كبيرًا نحو الاعتراف الدولي بالحكومة الجديدة.
وعلى الرغم من ذلك، لم يحظَ المؤتمر بإجماع كامل حول دعم الإدارة الانتقالية، إذ أكد الاتحاد الأوروبي أن الدعم المالي المقدَّم سيذهب بشكل أساسي عبر الوكالات الدولية والمنظمات الإنسانية، وليس عبر الحكومة السورية مباشرة، ما يعكس حذرًا دوليًا في التعاطي مع السلطة الجديدة في دمشق.
المساعدات: تعهدات أوروبية وتراجع أمريكي
تعهد الاتحاد الأوروبي خلال المؤتمر بتقديم 2.5 مليار يورو (2.7 مليار دولار) لسوريا، مع إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن “السوريين بحاجة إلى المزيد من الدعم، سواء داخل البلاد أو في دول الجوار”. من جهتها، خصصت بريطانيا 160 مليون جنيه إسترليني (200 مليون دولار) لدعم السوريين، بينما أعلنت ألمانيا عن مساعدات إضافية بقيمة 300 مليون يورو، سيتم تقديم أكثر من نصفها عبر الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية.
في المقابل، شهد المؤتمر انسحابًا أمريكيًا تدريجيًا من دور المانح الرئيسي، ما أدى إلى تراجع إجمالي حجم المساعدات مقارنة بالعام الماضي، حيث لم يتم جمع سوى 35% من الاحتياجات التي قدرتها الأمم المتحدة، وسط آمال بأن تسد الدول العربية هذا الفراغ المالي.
العقوبات الأوروبية ومسألة إعادة الإعمار
طرحت مسألة رفع العقوبات الأوروبية عن سوريا للنقاش، لكنها لم تُحسم، حيث أُرجئ البت فيها إلى مراجعة لاحقة خلال 12 شهرًا، في رسالة غير مباشرة للحكومة الانتقالية بأنها لا تزال قيد التقييم. وبينما أزيلت بعض القيود، مثل رفع الحظر عن استيراد النفط السوري، وتخفيف القيود على العلاقات المصرفية مع دمشق، لا تزال العقوبات الأمريكية الثانوية تشكل عائقًا أمام الاستثمار الأجنبي.
وفي هذا السياق، طالب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برفع العقوبات المفروضة على بلاده، معتبرًا أنها “ضرورة إنسانية وأخلاقية”، مشددًا على أن “استمرار العقوبات يعني أن الشعب السوري هو المتضرر الحقيقي”. كما أكد أن “عودة النازحين تتطلب جهدًا دوليًا وتنشيط الاقتصاد السوري”.
تحديات المرحلة الانتقالية
رغم محاولات دعم الاستقرار، تظل الأوضاع الأمنية والسياسية في سوريا معقدة، خاصة مع تصاعد أعمال العنف في منطقة الساحل السوري، حيث قُتل أكثر من 1400 مدني، غالبيتهم من العلويين، منذ مارس الماضي، وفق تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان. وقد ألقى هذا التوتر بظلاله على المؤتمر، حيث اعتبرت بعض الدول الأوروبية أن ما حدث “حادث معزول”، بينما طالب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بفرض عقوبات على المسؤولين عن هذه الهجمات.
توازن دقيق بين الدعم والحذر الدولي
يبدو أن مؤتمر بروكسل قد فتح الباب أمام تحول تدريجي في التعامل مع الحكومة الانتقالية السورية، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى الاعتراف الكامل بها. وبينما تسعى الدول الأوروبية إلى دعم استقرار سوريا عبر المساعدات الإنسانية، فإنها لا تزال مترددة في تقديم دعم مباشر للحكومة الجديدة، وهو ما قد يعكس استمرار الشكوك حول قدرتها على إدارة البلاد بشكل شامل ومستدام.
في المقابل، يواجه الاقتصاد السوري تحديات هائلة، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن البلاد ستحتاج إلى نصف قرن على الأقل للعودة إلى مستوى ما قبل الحرب. ومع تراجع الدور الأمريكي في تمويل المساعدات، تتجه الأنظار إلى الدول العربية للمساهمة في إعادة الإعمار وتعويض النقص المالي.
في ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل سوريا رهين التوازنات السياسية والاقتصادية، إذ يتطلب الانتقال إلى الاستقرار الفعلي توافقًا دوليًا أوسع، إضافة إلى إصلاحات داخلية تعزز التماسك الوطني، وتؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز آثار الصراع المستمر منذ أكثر من عقد.

