في خطوة تعكس تحولًا في أولوياتها الاستراتيجية، أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولًا عسكريًا رفيع المستوى إلى موسكو لإجراء محادثات أمنية تركز على الحد من النفوذ التركي المتزايد في سوريا، وفقًا لتقارير إعلامية إسرائيلية.
الجنرال رومان غوفمان، سكرتير الجيش الإسرائيلي، عاد من موسكو يوم الجمعة بعد سلسلة من الاجتماعات السرية التي عقدها في الأسابيع الأخيرة. يُعد غوفمان من أقرب مستشاري نتنياهو، وقد لعب دورًا محوريًا في تنسيق المواقف الإسرائيلية بشأن سوريا، وفقًا للتقرير.
محور المباحثات: احتواء النفوذ التركي وتعزيز الوجود الروسي
تركزت المحادثات بين موسكو وتل أبيب على تعزيز العلاقات الثنائية وضمان المصالح الأمنية الإسرائيلية في سوريا، وسط مخاوف متزايدة من النفوذ التركي في المنطقة، خاصة بعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر الماضي على يد تحالف من الفصائل المتمردة المدعومة من أنقرة.
يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التوترات بين إسرائيل وتركيا بسبب الحرب في غزة، حيث ينظر المسؤولون الإسرائيليون بريبة متزايدة إلى دور أنقرة في الحكومة السورية الجديدة ذات الطابع الإسلامي، وفقًا لمصادر إعلامية إسرائيلية. وتشير التقارير إلى أن تل أبيب تفضل استمرار التواجد العسكري الروسي في سوريا على اتساع النفوذ التركي، في محاولة للحفاظ على التوازن الاستراتيجي في المنطقة.
تحركات تركية لتعزيز حضورها في سوريا
من جهة أخرى، يستعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لاستقبال الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، الذي يقود تحالف الفصائل الجهادية التي أسقطت الأسد. وتعتبر هذه الزيارة الثانية للشراع إلى أنقرة، بعد لقائه السابق بأردوغان الشهر الماضي، ما يعكس دعم تركيا للحكومة الجديدة في دمشق.
تشمل المحادثات بين الجانبين بحث إنشاء قواعد عسكرية تركية في سوريا، وإعادة هيكلة القوات المسلحة السورية، وتأمين المجال الجوي للبلاد، في خطوة تعزز النفوذ التركي على الأرض. في المقابل، تسعى إسرائيل لحشد الدعم الأمريكي لإحباط هذه التحركات، إذ أفادت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية بأن تل أبيب طلبت من واشنطن منع إقامة ثلاث قواعد عسكرية تركية جديدة في سوريا.
إسرائيل تكثف جهودها الدبلوماسية في واشنطن
وفقًا لمعهد “روبرت لانسينغ” للدراسات، تمارس إسرائيل ضغوطًا على الولايات المتحدة للحد من النفوذ التركي في سوريا، عبر دعم خطط اللامركزية وتعزيز الوجود العسكري الروسي كعامل توازن. تخشى تل أبيب من أن تتحول سوريا، تحت النفوذ التركي، إلى قاعدة دعم لحركة حماس وفصائل أخرى قد تهدد الأمن الإسرائيلي.
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار التنسيق العسكري بين إسرائيل وروسيا، والذي يسمح لإسرائيل بشن ضربات جوية ضد أهداف إيرانية وحزب الله داخل سوريا دون تدخل روسي. منذ سقوط الأسد، كثفت تل أبيب عملياتها العسكرية في سوريا، حيث نفذت العديد من الغارات الجوية واستقدمت قوات إلى المنطقة العازلة التي تراقبها الأمم المتحدة داخل الأراضي السورية، وفق مصادر أمنية إقليمية.
من جهتها، نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة أن إسرائيل تضغط على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحفاظ على سوريا ضعيفة ومقسمة، من خلال دعم استمرار القواعد العسكرية الروسية هناك لمنع تمدد النفوذ التركي.
يقول الباحث في معهد “سنشري إنترناشونال” الأمريكي، آرون لوند: “أكبر مخاوف إسرائيل أن تتدخل تركيا لحماية النظام الإسلامي الجديد في سوريا، مما قد يحولها إلى نقطة انطلاق لحماس وجماعات أخرى معادية لإسرائيل”.
حتى الآن، لم يتضح بعد إلى أي مدى تنوي إدارة ترامب تبني المقترحات الإسرائيلية، لكن المشهد السوري بات أكثر تعقيدًا مع تزايد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، مما يفرض تحولات استراتيجية جديدة في المنطقة.

