أثار إعلان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عدم المشاركة شخصيًا في القمة العربية الطارئة التي تستضيفها غدا الثلاثاء القاهرة لمناقشة تطورات القضية الفلسطينية تساؤلات عديدة حول خلفيات هذا القرار، لا سيما في ظل حاجة الدول العربية إلى موقف موحد تجاه أزمة غزة.
وجاء قرار الغياب الجزائري في توقيت حرج، مما أعطى انطباعًا بأنه يعكس موقفًا متناقضًا مع التصريحات المتكررة للقيادة الجزائرية بشأن دعم الفلسطينيين.
عزلة دبلوماسية أم استراتيجية مدروسة؟
يعتبر مراقبون أن مقاطعة الجزائر لهذه القمة تشكل خطوة تعمّق عزلتها على المستويين السياسي والدبلوماسي، خصوصًا أن الحضور والمشاركة كانا سيوفران لها فرصة للتعبير عن موقفها وطرح رؤيتها أمام القادة العرب والإعلام الدولي.
ويرى آخرون أن هذا القرار قد يكون مدفوعًا برغبة الجزائر في تجنب الاصطفاف في موقف عربي موحد قد لا يتناسب مع توجهاتها السياسية، خاصة في ظل الحديث عن تقاربها مع إدارة دونالد ترامب، وسعيها إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع واشنطن، ما قد يتعارض مع الموقف الروسي الذي دعمها في قضايا إقليمية مثل ملف الصحراء.
خلافات حول مسار التحضير للقمة
وفقًا لوكالة الأنباء الجزائرية، فإن قرار الغياب جاء بسبب “الاختلالات والنقائص” التي شابت التحضيرات للقمة، حيث استأثرت مجموعة محدودة من الدول العربية بوضع مخرجات الاجتماع دون التشاور مع بقية الدول. وأشارت مصادر جزائرية إلى أن تبون لم يكن راضيًا عما اعتبره تهميشًا لبلاده، واعتبر أن إشراك دول معينة وإقصاء أخرى يمثل نهجًا غير عادل في إدارة القضايا العربية.
دوافع الجزائر للغياب عن القمة
الغريب في الأمر أن الجزائر، التي طالما اتخذت القضية الفلسطينية ركيزة لسياستها الخارجية، باتت تبدو وكأنها تنأى بنفسها عن تحمل مسؤولية القرارات العربية الجماعية. وترى صحيفة “العرب” اللندنية أن غيابها عن القمة جاء بعد تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها تبون لصحيفة “لوبينيون” الفرنسية، حيث قال فيها إن “الجزائر ليست لها مشاكل مباشرة مع إسرائيل”، وإنها قد تطبع العلاقات معها بمجرد التوصل إلى حل الدولتين وعودة المهجّرين، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى التزامها بمواقفها التقليدية تجاه القضية الفلسطينية، على حد تعبير الصحيفة.
الجزائر ومحور الممانعة.. مأزق التوجهات السياسية
وفقا للتقرير الذي نشره موقع “هسبريس” المغربي، يؤكد بعض الخبراء أن الجزائر، التي كانت محسوبة على ما يُعرف بمحور الممانعة بقيادة إيران، تجد نفسها اليوم في وضع صعب بعد التغيرات التي شهدتها المنطقة عقب حرب 7 أكتوبر. فقد تراجعت قدرة هذا المحور على التأثير، في وقت بدأت فيه الدول العربية الفاعلة في تنسيق جهودها لإيجاد حلول للأزمات الإقليمية، لا سيما من خلال اجتماعات قمة مكة المرتقبة التي ستجمع دول الخليج مع المغرب، ومصر، والأردن، وسوريا. واعتُبر استبعاد الجزائر من هذه اللقاءات دليلاً على تراجع دورها العربي، وهو ما دفعها إلى اتخاذ موقف معارض لمسار التحضير للقمة الطارئة.
تداعيات الغياب الجزائري على مكانتها الإقليمية
يشير محللون إلى أن الجزائر، من خلال هذا القرار، تعزل نفسها تدريجيًا عن التوجهات العربية المشتركة، ما يعكس تراجع تأثيرها في الملفات المصيرية. فبينما تشهد المنطقة إعادة ترتيب للأولويات والتكتلات، لا تزال الجزائر تتبع نهجًا يثير الريبة بين الدول العربية، سواء بسبب علاقاتها المتوترة مع بعض دول الخليج أو بسبب دعمها لكيانات انفصالية وسياساتها التدخلية في شؤون جيرانها. كل هذه العوامل أدت إلى تآكل ثقلها السياسي داخل الجامعة العربية، حيث لم تعد تُعامل كطرف محوري في صناعة القرار الإقليمي.
خيار صعب للجزائر
إن قرار الجزائر بعدم حضور القمة العربية الطارئة قد يكون محاولة للحفاظ على هامش المناورة السياسية، لكنه في الوقت ذاته يعكس عزلتها المتزايدة في المشهد العربي. فبينما تسعى الدول العربية لإيجاد حلول لأزمة غزة ضمن رؤية موحدة، اختارت الجزائر الابتعاد، وهو ما قد يؤثر على دورها الإقليمي ويضعف موقفها في الملفات العربية الكبرى. وفي ظل التغيرات السريعة في موازين القوى بالمنطقة، يبقى السؤال: هل ستعيد الجزائر النظر في سياستها الخارجية لتجنب مزيد من التهميش، أم أنها ماضية في نهجها المنفصل عن السياق العربي المشترك؟
أهداف القمة الطارئة
تعقد القمة العربية الطارئة في القاهرة اليوم الثلاثاء لمناقشة تطورات القضية الفلسطينية، وتركز على رفض التهجير القسري، وإعادة إعمار غزة، واستئناف اتفاق وقف إطلاق النار، في إطار خطة شاملة تعزز الاستقرار الإقليمي، وتدعم حل الدولتين، مع ضمان تدفق المساعدات الإنسانية.
وقد أصدر حزب الوعي، وفقا لموقع “اليوم السابع” المصري، ورقة سياسات للقمة تدعو إلى تحرك عربي موحد، وإطلاق صندوق مستقل لدعم غزة، وتكثيف الضغوط على إسرائيل. وأدانت جهات سياسية مصرية وقف المساعدات الإنسانية إلى غزة، وطالبت بموقف عربي ودولي حاسم.
ويرى خبراء يرون أن القمة فرصة لاتخاذ قرارات عملية وسط تعقيدات الموقف الإسرائيلي والأمريكي، مع طرح مصر رؤية أشمل للصراع العربي-الإسرائيلي وخطة خمسية لإعمار غزة.

