في تطور أثار انتقادات حقوقية واسعة، أدانت الناشطة الأمريكية في مجال حقوق الإنسان، أندريا بارون، محاكمة 41 شخصًا في تركيا، من بينهم 14 قاصرًا، بتهم الإرهاب، بسبب مشاركتهم في أنشطة اجتماعية ودينية روتينية.
وأعربت بارون، التي تعمل في واشنطن العاصمة مع الناجين من التعذيب، عن صدمتها من هذه القضية، ووصفتها بانتهاك صارخ للحريات الأساسية، وذلك خلال حديثها مع موقع TR724 الإخباري التركي.
محاكمة فتيات بتهم مرتبطة بأنشطة تعليمية ودينية
سافرت بارون إلى إسطنبول مرتين، في سبتمبر وفبراير، لمراقبة ما أصبح يُعرف باسم “محاكمة الفتيات القاصرات”، حيث يواجه 41 شخصًا، بينهم 15 طالبة في المرحلة الثانوية، اتهامات بالإرهاب بسبب قيامهن بأنشطة عادية مثل دراسة الرياضيات والعلوم، وقراءة القرآن، وتقديم الدعم المالي لبعضهن البعض.
وأوضحت بارون، التي تمتلك خبرة طويلة في مجال حقوق الإنسان في إفريقيا والشرق الأوسط، أن هذه المحاكمة تثير القلق، خاصة أن تركيا، التي تدّعي أنها دولة ديمقراطية، تُجرّم أنشطة يجب أن تُشجَّع لا أن تُعاقَب. وأكدت أنها حضرت الجلسة الأولى في ديسمبر 2024، ثم عادت لمتابعة جلسة 18 فبراير لرصد سير المحاكمة عن كثب.
وقالت بارون: “لقد سمعت القاضي يسأل المتهمات والشهود عن سبب دراستهم للرياضيات والعلوم معًا، فشعرت بالذهول. تساءلت بيني وبين نفسي: لو كنت قد درست العلوم والرياضيات مع معلمة خاصة عندما كنت صغيرة، ربما كنت سألتحق بجامعة هارفارد. تشجيع الفتيات على مساندة بعضهن أكاديميًا يجب أن يُحتفى به، لا أن يُعامل كجريمة.”
تجريم الأنشطة الاجتماعية والدينية
في جلسة 18 فبراير، صُدمت بارون مجددًا من طبيعة الأسئلة التي طرحها القاضي، والتي ركّزت على سبب حضور المتهمات لإفطار جماعي بعد شهر رمضان، وسبب قراءة القرآن كجزء من مجموعة.
وأعربت عن استيائها قائلة: “من المفترض أن تكون تركيا دولة تحترم الحرية الدينية، فما الخطأ في قراءة القرآن جماعةً؟” وتساءلت عن سبب تصنيف المحاكمة كقضية إرهاب، رغم غياب أي محاولة من القاضي لإثبات أي صلة بالعنف. وأضافت: “لو كان الأمر متعلقًا فعلًا بالإرهاب، لكان القاضي قد سأل: هل سرقتم؟ هل امتلكتم أسلحة؟ هل قام إرهابيون بتخزين أسلحة في منازلكم؟ لكن بدلاً من ذلك، تركزت الأسئلة حول الدراسة والصلاة معًا.”
ملف القضية وتداعياتها الدولية
جذبت المحاكمة اهتمامًا دوليًا متزايدًا، حيث اعتبرها مراقبون قانونيون ومنظمات حقوقية ذات دوافع سياسية وغير قائمة على أسس قانونية سليمة. ووفقًا للائحة الاتهام التي قبلتها المحكمة الجنائية العليا الرابعة والعشرون في إسطنبول في 8 يوليو 2024، تم تصنيف “120 نشاطًا إرهابيًا” ضمن القضية، والتي تشمل ببساطة زيارة مراكز التسوق، والذهاب إلى صالات البولينج، وطلب الطعام عبر تطبيقات التوصيل، والتخطيط للسفر إلى الخارج.
كما اعتبرت النيابة العامة أن إعطاء 12 طالبة جامعية لدروس في اللغة الإنجليزية والدين في منازلهن الخاصة يُشكّل شبكة إرهابية.
سياق أوسع: حملة القمع ضد حركة كولن
تأتي هذه القضية في إطار حملة قمع واسعة النطاق تشنها الحكومة التركية ضد من يُشتبه بارتباطهم بحركة الخدمة، وهي جماعة دينية متأثرة بفكر الراحل فتح الله كولن. ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، صنفت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان الحركة على أنها منظمة إرهابية، وشنّت عمليات تطهير واسعة طالت الآلاف، بمن فيهم معلمون وأكاديميون وصحفيون وناشطون مدنيون ورحال أعمال إلى جانب مصادرة ممتلكاتهم.
وقد انتقدت منظمات حقوقية دولية قوانين مكافحة الإرهاب في تركيا، ووصفتها بأنها فضفاضة وتُستخدم لاستهداف المعارضين السياسيين وأعضاء المجتمع المدني.
مشهد مؤلم: محاكمة أم وابنتها معًا
أحد أكثر المشاهد إيلامًا في قاعة المحكمة، وفقًا لبارون، كان رؤية أم وابنتها تقفان معًا في قفص الاتهام، تواجهان التهمة ذاتها بالإرهاب. وأكدت بارون: “تركيا دولة تفتخر بعلاقتها القوية بين الأمهات وبناتهن. ما يحدث هنا يتناقض تمامًا مع تلك القيم.”
وأضافت: “هؤلاء الفتيات يؤمنّ بالتعليم، والعمل الجاد، والعمل الخيري، وهي قيم يجب أن تحظى بالتقدير، لا أن تتحول إلى جرائم.”
مراقبة دولية وانتقادات داخلية
لم يقتصر الاهتمام بالقضية على الناشطين الدوليين فحسب، بل شارك في مراقبة المحاكمة شخصيات قانونية بارزة، من بينهم:
- ريبيكا كاتالدي، مديرة مركز واشنطن للدين والدبلوماسية،
- أناييس ليفور، محامية جنائية مسجلة في نقابة المحامين في باريس.
ويعكس وجود هذه الشخصيات تنامي المخاوف الدولية بشأن النظام القضائي التركي ومعاملة الأنشطة الدينية والاجتماعية كجرائم.
انتقادات من المعارضة التركية
كما لقيت المحاكمة انتقادات من شخصيات معارضة داخل تركيا، أبرزهم النائب عمر فاروق جرجرلي أوغلو، من حزب الدمقراطية والمساواة للشعوب (DEM Party)، الذي تم طرده من قاعة المحكمة خلال الجلسة الأولى في 23 سبتمبر، بعدما انتقد أسئلة القاضي الموجهة للأطفال المتهمين.
وفي وقت لاحق، تقدم غيرغيرلي أوغلو بشكوى رسمية ضد القاضي، متهماً إياه بإصدار أحكام مسيّسة.
دعوات لإنهاء المحاكمة
وصفت بارون جلسة 18 فبراير بأنها “يوم حزين”، ودعت إلى تحرك عاجل لوقف هذه المحاكمة الجائرة. وقالت: “لا ينبغي أن تُحاكم هؤلاء الفتيات. هذا الوضع يجب أن يتغير.”
من المقرر عقد الجلسة المقبلة في 25 أبريل، وسط استمرار الضغوط الدولية والمحلية لوقف هذه المحاكمة المثيرة للجدل.

