تقرير: ياوز أجار
في خطوة مفاجئة، أصدرت مجموعة العمل المعنية بالاحتجاز التعسفي التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارًا يدين تركيا بشأن احتجاز الجنرال السابق في القوات الجوية التركية أكين أوزتورك، متهمًا السلطات التركية بانتهاك حقوقه من خلال توقيفه بشكل تعسفي ودون أساس قانوني يبرر احتجازه بتهمة تدبير انقلاب 2016 الفاشل.
كما اتهمت المجموعة الأممية السلطات التركية بمحاكمة الجنرال أوزتورك دون توفير ضمانات محاكمة عادلة، مطالبة بالإفراج الفوري عنه، ودفع تعويضات له، بالإضافة إلى فتح تحقيق في المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
تفاصيل القرار والاتهامات
أكين أوزتورك، الذي كان يشغل منصب القائد العام للقوات الجوية التركية بين 2013 و2015، تم توقيفه على خلفية اتهامات بمحاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، التي اتهمت الحكومة التركية ما سماه “الجناح العسكري لحركة الخدمة” بالوقوف وراءها.
في الجلسة التي عقدت بين 26 و30 أغسطس 2024، خلصت مجموعة العمل إلى أن أوزتورك تم اعتقاله بناء على اتهامات غير موثوقة وبدون توفر أدلة قاطعة تدعمه، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للحق في المحاكمة العادلة.
تجدر الإشارة إلى أن أوزتورك، الذي كان قد غادر منصب القائد العام بعد أن ترك منصب القائد العام للقوات الجوية، حاول إيقاف الانقلاب في ليلة 15 يوليو 2016، بعد سماعه عن الهجوم على رئاسة الأركان التركية، وفقًا لتقرير محاميه.
لكن بعد أيام من محاولة الانقلاب، تعرض أوزتورك للاحتجاز بدون إذن قانوني أو توجيه رسمي، ومارست السلطات، في غضون ذلك، ألوانا من التعذيب عليه، حيث أجبرت على الاعتراف بتهم لم يرتكبها، تتمثل في كونه “العقل المدبر للانقلاب”، مما زاد من القلق الدولي بشأن حالة حقوق الإنسان في تركيا.
محاكمة أوزتورك وتفاصيل الانتهاكات
في محاكمته، واجه أوزتورك العديد من الانتهاكات القانونية. في جلسات محاكمته، تمت ملاحظة أن الشهادات التي استند إليها الادعاء كانت قد تم الحصول عليها تحت الضغط أو بطرق غير قانونية. كما أنه خلال جلسات المحاكمة، تعرض أوزتورك لإهانات علنية من قبل الحشود، وتبين أن محاكمته لم تلتزم بالإجراءات القانونية الصحيحة. علاوة على ذلك، لم تُجرِ أي تحقيقات مستقلة بشأن موت أكثر من 140 شخصًا في الحادثة التي تم اتهامه بها.
الإجراءات القانونية ورفض الحكومة التركية للاتهامات
وفقًا لقرار مجموعة العمل الأممية، فقد استغربت الأمم المتحدة من رد الحكومة التركية على هذه التهم، حيث لم تقدم السلطات التركية إثباتات قانونية أو حجج كافية تبرر احتجاز أوزتورك ومحاكمته. كما أشارت المجموعة إلى أنه حتى بعد الاطلاع على رد الحكومة التركية، فشل ردها في تقديم أسس قانونية مقنعة لدعم الاحتجاز، مما جعل المجموعة تتوصل إلى أن اعتقال أوزتورك كان تعسفيًا وغير قانوني.
الدعوة للإفراج عن أوزتورك وتعويضه
في ضوء هذه الانتهاكات، طالبت مجموعة العمل المعنية بالاحتجاز التعسفي تركيا بالإفراج الفوري عن أكين أوزتورك، وإجراء تحقيق شامل حول الانتهاكات التي تعرض لها، فضلًا عن دفع تعويضات له جراء الأضرار التي لحقت به. كما شددت المجموعة على أهمية ضمان مستقبل حقوق الإنسان في تركيا، محذرة من أن الممارسات التي تتيح احتجاز الأشخاص دون محاكمات عادلة قد تؤدي إلى إلحاق أضرار كبيرة بـ”سيادة القانون والعدالة في البلاد”.
رسالة الأمم المتحدة حول انتهاك حقوق الإنسان
اختتمت مجموعة العمل تقريرها بتأكيد على ضرورة احترام حقوق الإنسان في جميع الإجراءات القانونية، بما في ذلك احترام الحق في محاكمة عادلة والحق في الحرية. وأوضحت أن الممارسات التي تضر بهذه الحقوق تتعارض مع المعايير الدولية، كما أنها قد تشكل جرائم ضد الإنسانية إذا استمرت بشكل منتظم أو ممنهج.
العلاقة بي الانقلاب والتوغل العسكري التركي في سوريا
يذكر أنه على الرغم من أن الجنرال أوزتورك عرف بتوجهاته “الكمالية” (الأتاتوركية) بشهادة زملائه العسكريين، كانت السلطات التركية زعمت أنه اعترف أثناء أخذ أقواله في مركز الأمن بانتمائه إلى حركة الخدمة وقيادته للانقلاب المزعوم باعتباره “رقم أول”، إلا أن الجنرال أكد في المحكمة أن السلطات ضربته حتى انفجرت الدماء من أذنيه، وصبت الحمض على أظافره لانتزاع تلك الاعترافات.
ومن اللافت أن رئيس الأركان العامة في ذلك الوقت خلوصي أكار كان أعلن أن الجيش التركي لن يدخل سوريا بدون قرار أممي، وكان الجنرال أوزتورك من أبرز القادة العسكريين المعارضين للتدخل العسكري في سوريا، حيث نقل عنه زملاؤه قوله قبل شهور من الانقلاب: “لن أسمح بدخول جنودي في مغامرة سوريا وتقسيم تركيا.. وإذا ما أعلنوني يوما خائنا للوطن فاعلموا أنهم سيقحمون الجيش في سوريا”. وبالفعل دخل الجيش التركي إلى سوريا تحت قيادة خلوصي أكار ذاته، بعد الانقلاب المزعوم، الذي انتهى بتصفية الجنرالات المعارضين لهذا التدخل.
ومن المثير أيضًا أن رئيس الوزراء السابق، زعيم حزب المستقبل الحالي أحمد داود أوغلو، اعترف في تصريحات على قناة “خبر ترك” (2021) بأنهم (حكومة حزب العدالة والتنمية) كانوا يخططون للتدخل العسكري في سوريا قبل عام 2016، لكنهم فشلوا في ذلك بسبب معارضة من سماهم “ضباط وجنرالات منظمة فتح الله كولن”، مما دفع كثيرا من المراقبين المحليين والدوليين إلى اعتبار محاولة الانقلاب شكلية للحصول على ذريعة لتصفية هؤلاء الجنرالات المعارضين وتنفيذ العمليات العسكرية في سوريا.
خلفية الاتهامات ضد الحركة
بدأ الرئيس رجب طيب أردوغان يستهدف أتباع حركة الخدمة التي تستوحي فكر فتح الله كولن الراحل عقب تحقيقات الفساد في ديسمبر 2013، التي تورط فيها ثلاثة وزراء وأبناؤهم وأفراد من عائلة أردوغان، لكن الأخير وصف تلك التحقيقات بأنها مؤامرة قضائية من قِبل الحركة للإطاحة بحكومته، واتجه منذ ذلك الحين إلى تصنيفها كمنظمة إرهابية “إعلاميا”، ثم استصدر في 2016 قرارا “رسميا” لوصفها بالإرهابية، حيث اتهمها هذه المرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة.
غير أن الحركة نفت كل هذه الاتهامات ووصفت الأحداث الفوضوية في ليلة الانقلاب بـ”الحرب النفسية” و”عمليات الراية المُزيفة” (false flag) يقف وراءها أردوغان نفسه ليتمكن من خلق أرضية لاتهاماته الجاهزة، ووصم الحركة بالإرهابية، وبالتالي تصفية الجنرالات المعارضين لمشاريعه العسكرية في سوريا وعموم العالم العربي والإسلامي، بتهمة الانتماء إلى هذه المنظمة الإرهابية المزعومة.
يذكر أن مصطلح “الراية المزيفة” يُستخدم لوصف عمليات سرية تُنفذها جهة معينة بحيث يتم إخفاء الهوية الحقيقية للمنفذين وتوجيه التهمة لمجموعة أو دولة أخرى، بهدف خلق انطباع بأن الطرف الذي تم اتهامه زورًا هو من قام بالعمل، وذلك لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية أو استخباراتية. تُستخدم هذه الاستراتيجية في الغالب للتأثير على الرأي العام أو لتبرير أفعال وعمليات معينة لا يسمح لها الدستور والقوانين ولا يسوغها الجمهور في العادة.
وكان أردوغان قال صراحة عقب إعلانه حالة الطوارئ في البلاد بعد أسبوع من إحباط ما سمي بمحاولة الانقلاب الفاشلة بدعوى التصدي لـ”الانقلابيين”: “لقد حصلنا في ظل حالة الطوارئ على القدرة والإمكان من أجل تنفيذ كثير من الإجراءات التي لا يمكن أن نجريها في الظروف والأوقات العادية”، على حد قوله.
الإجراءات التي أعقبت الانقلاب
أعلنت الحكومة حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب، وأصدرت مراسيم طارئة أدت وفقًا لوزارة العدل التركية إلى فصل أكثر من 130,000 موظف حكومي، بالإضافة إلى 24,706 من أفراد القوات المسلحة، إلى جانب عشرات الآلاف من المدنيين، بزعم ارتباطهم بـ”منظمات إرهابية”، علمًا أن هذه المراسيم لم تخضع لأي رقابة قضائية أو برلمانية.
وخلال السنوات الأخيرة، خضع أكثر من 705,172 شخصًا، الأغلبية الساحقة منهم مدنيون، لتحقيقات بتهم تتعلق بالإرهاب أو محاولة الانقلاب بسبب علاقتهم المزعومة بالحركة. وبلغ عدد المعتقلين حاليا في قضايا مرتبطة بالحركة حوالي 13,251 شخصًا، بين محتجزين على ذمة المحاكمة أو مدانين بتهم الإرهاب.
بين يونيو 2023 ويونيو 2024 فقط، نفذت السلطات التركية 5,543 عملية أمنية، أسفرت عن اعتقال 1,595 شخصًا على صلة بالحركة، علمًا أن هذه الأرقام تتغير بشكل مستمر نظرا لاستمرار العمليات، حيث أفاد مركز ستوكهولم للحرية أن السلطات التركية اعتقلت خلال الأسبوع الماضي 200 شخص بسبب صلاتهم المزعومة بالحركة.
بالإضافة إلى أعداد المعتقلين، هناك أكثر من 100 حالة وفاة مشبوهة، زعمت السلطات أنها انتحار، كما اضطر العديد من أتباع الحركة إلى الفرار من تركيا هربًا من حملات القمع المستمرة يوميا، وتعرض بعضهم لحالات مأساوية في الطريق، بينها الوفاة بسبب الغرق في مياه النهر أثناء العبور إلى الجانب اليوناني تمهيدا للوصول إلى مكان آمن في إحدى دول العالم.

