بقلم: نديم حذار
مع تسريب ملايين الوثائق المرتبطة بقضية جيفري إبستين، انشغل الرأي العام العالمي بسؤال واحد يتكرر بإلحاح: من ورد اسمه في القوائم؟ غير أن هذا الانشغال يُخفي السؤال الجوهري الحقيقي: من أطلق هذه الوثائق، ولماذا في هذا التوقيت بالذات، ولأي غاية سياسية تُستخدم؟
الملفات التي طفت إلى السطح في أواخر عام 2024، ثم تتابعت تسريباتها حتى مطلع 2026، لا تمثل مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل تكشف عن أحد أكثر أنماط التحكم السياسي تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر، حيث تتحول الانتهاكات الشخصية إلى أدوات ضغط جيوسياسي.
التوقيت كرسالة سياسية
التسريبات لم تأتِ في فراغ زمني. ظهورها تزامن مع مرحلة إعادة تموضع في السياسة الأميركية، ومع اقتراب إدارة دونالد ترامب من تثبيت ولايتها الثانية، في ظل تصاعد التوتر مع إيران بعد جولات التصعيد غير المعلنة في عام 2025، وما عُرف بـ«حروب الأيام الاثني عشر» التي شكّلت منعطفًا حساسًا في معادلة الردع الإقليمي.
هذا التزامن يفتح الباب أمام فرضية أن الوثائق لم تُكشف بدافع العدالة أو الشفافية، بل استُخدمت كورقة ضغط في لحظة سياسية دقيقة، حيث يُعاد رسم أولويات القوة في الشرق الأوسط.
الغياب الذي لا يمكن تجاهله
عند تفحّص محتوى الوثائق، يبرز عنصر لافت لا يقل أهمية عن الأسماء الواردة فيها: غياب شبه كامل لشخصيات إسرائيلية نافذة، رغم شمول الأرشيف لأسماء من عشرات الدول، ومن مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.
هذا الغياب، وفق منطق التحليل الاستخباري، لا يُقرأ بوصفه صدفة، بل كمؤشر على هوية الجهة التي امتلكت الأرشيف وأدارت بنيته. في أدبيات الاستخبارات، يُنظر إلى «الفراغ المتعمد» داخل أي أرشيف على أنه دليل ملكية، لا نقص معلومات.
إبستين: فرد أم واجهة؟
القراءة البنيوية للقضية تشير إلى أن جيفري إبستين لم يكن مجرد ممول منحرف أو جامع فضائح، بل واجهة تشغيلية لمنظومة أوسع. جزيرته الخاصة لم تكن مساحة ترف مغلقة، بل بيئة مضبوطة بعناية لتسجيل وتوثيق لحظات ضعف لدى شخصيات مؤثرة، ضمن ما يُعرف بعمليات “الفخ العسلي”.
هذا النمط من العمليات ليس جديدًا في تاريخ العمل الاستخباري، لكنه في حالة إبستين بلغ مستوى غير مسبوق من التنظيم، من حيث الحجم والتنوع الجغرافي ونوعية المستهدفين.
حلقة ماكسويل: الامتداد التاريخي
تكتسب الفرضية الاستخبارية وزنًا إضافيًا عند الربط بين إبستين وشريكته غيسلين ماكسويل، ابنة روبرت ماكسويل، الذي عُرف في الدوائر الغربية كشخصية لعبت أدوارًا استخبارية معقدة خلال الحرب الباردة.
بعد وفاة روبرت ماكسويل في ظروف غامضة، بدا أن الشبكة التي أدارتها ابنته مع إبستين لم تكن قطيعة مع الماضي، بل تطويرًا تقنيًا ووظيفيًا لأساليب قديمة، حيث استُبدلت الملفات الورقية بالأرشيف الرقمي، واستُبدلت اللقاءات المغلقة بمنصات توثيق شاملة.
من الأرشيف إلى الشنطة السياسية
السؤال المحوري لم يعد مرتبطًا بإثبات الجريمة، بل بكيفية توظيف نتائجها. الوثائق، وفق هذا المنظور، ليست مادة للنشر الكامل، بل مخزون ضغط يُستخدم انتقائيًا، وفق ما تقتضيه موازين القوى.
في هذا السياق، تبرز إيران بوصفها الهدف الاستراتيجي الأهم. فبعد إضعاف أذرعها الإقليمية تباعًا، باتت طهران تمثل العقبة الأخيرة أمام إعادة هندسة الشرق الأوسط وفق الرؤية الإسرائيلية، وهو ما يتطلب دعمًا أميركيًا يتجاوز العقوبات إلى الانخراط المباشر.
واشنطن تحت الاختبار
إدارة ترامب، رغم خطابها المتشدد تجاه إيران، أبدت ترددًا واضحًا في الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا التردد، في منطق الصراع، يُقرأ كفرصة للضغط. هنا تظهر وثائق إبستين كأداة غير تقليدية لدفع صناع القرار في واشنطن نحو خيارات أكثر حدة، عبر تذكير غير مباشر بمدى هشاشة بعض النخب السياسية أمام التسريب.
صمت غزة ومعادلة الابتزاز
يُعيد هذا الإطار تفسير الصمت الدولي حيال ما يجري في غزة. فالتردد في اتخاذ مواقف حاسمة، رغم فداحة المشهد الإنساني، يمكن فهمه في ضوء امتلاك أطراف معينة لأوراق ضغط شخصية تطال قادة وسياسيين في دول مؤثرة.
الصمت هنا لا يبدو نابعًا من العجز، بل من حسابات الخسارة الشخصية والسياسية، في نظام باتت فيه الخصوصية سلعة تفاوض.
تركيا داخل المشهد الأوسع
الوثائق المتداولة تتضمن إشارات إلى أسماء تركية، ما يفتح باب إعادة قراءة مسارات سياسية مفصلية في تاريخ تركيا الحديث، من قضايا تفكيك مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية، إلى التحولات في السياسات الإقليمية، وصولًا إلى التناقضات الظاهرة في الملف السوري.
في هذا السياق، تُقرأ بعض القرارات الكبرى لا كاستجابات ظرفية، بل كجزء من توازنات فرضتها شبكة ضغوط دولية متشابكة، حيث يتداخل المحلي بالإقليمي والدولي.
من الضغط إلى إعادة تشكيل النظام
ما يجري اليوم لا يشبه فضائح الماضي بقدر ما يمثل نسخة محدثة منها. إذا كان فضح العلاقات غير المشروعة قد أسقط حكومات في القرن العشرين، فإن النسخة المعاصرة تستخدم التسريب الجزئي لإعادة توجيه السياسات دون إسقاط مباشر.
الوثائق التي خرجت إلى العلن قد تكون، وفق هذا المنطق، مجرد إشارة تحذير. أما الجزء الأخطر، فيبقى محفوظًا للاستخدام عند الحاجة.
آفاق المرحلة المقبلة
المرحلة القادمة مرشحة لتصعيد سياسي وأمني، خصوصًا في الملف الإيراني. أي تحول مفاجئ في الموقف الأميركي، أو زيادة وتيرة العمليات غير المباشرة، قد يُقرأ كدليل على نجاح هذا النمط من الضغط.
في المقابل، فإن رفض الانصياع قد يفتح الباب أمام موجات تسريب أوسع، تحمل تداعيات داخلية على أكثر من عاصمة.
الخلاصة
وثائق إبستين ليست فضيحة أخلاقية بقدر ما هي أداة نفوذ في صراع دولي مفتوح. ما كُشف حتى الآن قد لا يكون سوى الجزء الأقل خطورة من أرشيف يُستخدم لإعادة ضبط موازين القوة، في عالم باتت فيه السياسة تُدار من الظل بقدر ما تُدار من المنابر.

