شهدت تركيا في 31 مارس انتخابات بلدية اعتُبرت اختبارًا سياسيًا بين نهج السلطة المستمرة منذ أكثر من عقدين والتوجهات الجديدة التي تمثلها المعارضة.
ففي مواجهة تحالف العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان وشريكه القومي دولت بهجلي، برز حزب الشعب الجمهوري بزعامة أوزغور أوزيل، مدعومًا بزخم التغيير ورغبة الناخبين في إنهاء سيطرة الحزب الحاكم على المشهد السياسي. وجاءت نتائج الانتخابات لتعكس تحولًا واضحًا، حيث اختار الناخبون دعم قوى المعارضة، في مؤشر قوي على تراجع التأييد الشعبي لأردوغان وحلفائه.
دروس من التاريخ: تغيير السلطة استجابة لمطلب شعبي
تاريخيًا، انحاز الناخب التركي إلى التغيير في مواجهة الجمود السياسي. ففي عام 1950، أسقطت الانتخابات الحرة الأولى حكم الحزب الواحد الذي دام 25 عامًا، كما جاءت انتصارات سليمان ديميريل عام 1965، وتورغوت أوزال عام 1983، استجابة لرفض الناخبين محاولات الجيش التحكم في السياسة. وفي عام 1977، كما في 2002، كان الدافع الرئيسي وراء التغيير هو الرغبة في تجاوز حالة الركود السياسي. واليوم، بعد أكثر من عقدين في السلطة، لم يعد أردوغان رمزًا للتغيير كما كان في 2002، بل أصبح يمثل النظام القائم الذي يتطلع الناخبون إلى استبداله.
ما الذي تغير خلال عشرة أشهر؟
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم يخسر أردوغان الانتخابات الرئاسية قبل عشرة أشهر، لكنه تلقى هزيمة واضحة في الانتخابات البلدية؟ ثمة عوامل متعددة تفسر هذا التباين:
- التراجع في الأداء المحلي: رغم استمرار أردوغان في الحفاظ على وزنه السياسي على المستوى الوطني، إلا أن سيطرته المطلقة على الحزب أدت إلى اختيار مرشحين ضعفاء في الانتخابات البلدية، ما أضعف موقف حزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى.
- الثقة المفرطة والاستعلاء السياسي: بدت ثقة أردوغان المفرطة وكأنها تحول دون رؤيته للواقع بوضوح، إذ تجاهل أصوات الناخبين غير المؤيدين له، واعتقد أن قاعدة 27 مليون ناخب التي دعمته في 2023 ستبقى ثابتة. لكن النتائج أظهرت تراجع حزب العدالة والتنمية إلى 16 مليون صوت فقط، ما يعكس فقدان تأييد شريحة واسعة من الناخبين.
- الأزمة الاقتصادية وإهمال الفئات المتضررة: أحد أبرز الأخطاء التي ارتكبها أردوغان كان تهميشه لاحتياجات الناخبين، وخاصة فئة المتقاعدين الذين عانوا من التضخم وتراجع القدرة الشرائية دون استجابة حكومية فعالة. هذا الإهمال دفع الكثيرين للانضمام إلى تيار المعارضين، ما أدى إلى تقليص الفارق بشكل حاسم.
ما الخيارات المتاحة أمام أردوغان؟
تاريخيًا، لجأ أردوغان إلى توظيف الأزمات لصالحه، كما حدث بين انتخابات يونيو ونوفمبر 2015، عندما ساهمت الفوضى السياسية والأمنية في استعادة حزبه لجمهور الناخبين الذين كانوا قد ابتعدوا عنه. لكن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيدًا، حيث يواجه الرئيس التركي أزمة اقتصادية خانقة، مع خزينة فارغة تقلص قدرته على تقديم التنازلات الاجتماعية المعتادة لاستعادة الدعم الشعبي.
في هذا السياق، قد يلجأ أردوغان إلى عدة خيارات:
- إلقاء اللوم على الحزب والمرشحين المحليين: من غير المستبعد أن يسعى أردوغان إلى تحميل المسؤولية للكوادر الحزبية والمرشحين بدلًا من الاعتراف بأخطاء سياساته، وربما يشهد الحزب موجة تغييرات داخلية في محاولة لاستعادة الزخم.
- التوجه نحو الغرب مجددًا: قد يعمد إلى إعادة تبني خطاب إصلاحي أمام المجتمع الدولي للحصول على دعم مالي، خاصة من خلال تحسين علاقاته مع الغرب.
- التصعيد العسكري: من السيناريوهات المحتملة تصعيد العمليات العسكرية في العراق تحت شعار “الوحدة الوطنية”، لاستمالة الناخبين القوميين، غير أن هذه الاستراتيجية قد لا تكون كافية لحجب الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
- إعادة النظر في تحالفاته السياسية: من بين الخطوات الأكثر جرأة، احتمال استبدال شريكه القومي دولت بهجلي ببدائل أكثر مرونة، خاصة بعد مؤشرات عن استعداد أردوغان للانفتاح على الأكراد، كما ظهر في تصريحاته الأخيرة في ديار بكر حول الحوار مع القوى التي “تنأى بنفسها عن الإرهاب”.
المشهد السياسي الجديد: معارضة أكثر ثقة
بعكس انتخابات سابقة، لم يكن أمام أردوغان هذه المرة حزب معارض متشرذم يسهل هزيمته. فحزب الشعب الجمهوري خرج من الانتخابات ليس فقط باعتباره الحزب الأول في تركيا لأول مرة منذ 47 عامًا، ولكن أيضًا بروح جديدة تعكس انتصارًا معنويًا كبيرًا. كما أن إمام أوغلو، الذي نجح في هزيمة مرشحي أردوغان في إسطنبول للمرة الثالثة، بات يشكل تهديدًا أكبر لهيمنة الرئيس التركي.
هل يقترب عصر ما بعد أردوغان؟
إذا لم يقع حزب الشعب الجمهوري في أخطاء كبرى خلال الفترة المقبلة، فإن تركيا قد تكون بالفعل على مشارف تحول سياسي كبير بحلول عام 2028. فمع ضعف الخيارات المتاحة أمام أردوغان، وتزايد التململ داخل قاعدته الانتخابية، قد يتحول هذا التراجع الانتخابي إلى بداية نهاية حكمه. وربما تدخل تركيا التاريخ مرة أخرى كبلد نجح في الانتقال من حكم الفرد إلى ديمقراطية متجددة، مستجيبة لمطالب التغيير التي عبّر عنها الناخبون في 31 مارس.
المصدر: صفحة الكاتب الصحفي التركي جان دوندار على يوتيوب (ترجمة بتصرف قليل)

