في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها مسارات الطاقة بالحرب والدبلوماسية، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحذيراً علنياً بشأن ما وصفه بمخططات محتملة لاستهداف خطي الغاز «تورك ستريم» و«بلو ستريم» الممتدين تحت مياه البحر الأسود، معتبراً أن الهدف هو تقويض أي تقدم على المسار التفاوضي المتصل بالحرب في أوكرانيا.
التصريحات جاءت خلال اجتماع سنوي لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي في موسكو، حيث أشار بوتين إلى معلومات تشغيلية “واردة الآن” تفيد بإمكانية تنفيذ تفجير يستهدف البنية التحتية البحرية للغاز الروسي. ولم يسمِّ أي جهة بعينها، إلا أنه ألمح إلى أطراف تسعى – على حد قوله – إلى “استفزاز” ينسف ما تحقق بحذر في المسار الدبلوماسي.
بنية تحتية استراتيجية في قلب معادلة الطاقة الأوروبية
يمثل «تورك ستريم» اليوم شريان الغاز الروسي الأخير إلى أسواق الاتحاد الأوروبي بعد توقف العبور عبر الأراضي الأوكرانية مطلع عام 2025 مع انتهاء اتفاقية الترانزيت بين موسكو وكييف.
الخط، الذي بدأ تشغيله مطلع عام 2020، يمتد لنحو 930 كيلومتراً تحت البحر الأسود من السواحل الروسية إلى تركيا، قبل أن يتفرع نحو جنوب شرق أوروبا عبر بلغاريا. تبلغ طاقته السنوية 31.5 مليار متر مكعب، موزعة على خطين: أحدهما لتلبية الطلب التركي، والثاني لتغذية أسواق جنوب ووسط أوروبا.
أما «بلو ستريم»، الذي دخل الخدمة عام 2003، فيربط روسيا مباشرة بالساحل التركي على البحر الأسود قرب سامسون. وقد أنجز بشراكة بين «غازبروم» الروسية وشركة إيني الإيطالية، بطاقة تصل إلى 16 مليار متر مكعب سنوياً.
مع انقطاع مسار أوكرانيا، اكتسب «تورك ستريم» أهمية مضاعفة، إذ أصبح القناة الوحيدة المتبقية لتدفق الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي عبر أنبوب مباشر. هذا التحول الجيوطاقوي جعل من أمن الخطين مسألة تتجاوز العلاقة الثنائية الروسية–التركية لتلامس أمن الطاقة الأوروبي بأسره.
سياق الاتهامات: تصعيد متدرج منذ مطلع 2025
تحذيرات موسكو لم تأتِ في فراغ. خلال الأشهر الماضية، تبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بشأن استهداف البنية التحتية للطاقة.
في يناير 2025، أعلنت موسكو أن طائرات مسيّرة أوكرانية استهدفت محطة ضغط في جنوب روسيا تغذي «تورك ستريم»، مؤكدة اعتراض المسيّرات وأن الأضرار اقتصرت على حطام متساقط. وفي اليوم التالي، اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الولايات المتحدة بالتخطيط لتخريب الخط عبر ما وصفه بـ“وكلاء أوكرانيين”.
وفي مارس من العام ذاته، تحدثت موسكو عن هجوم استهدف محطة “روسكايا” في إقليم كراسنودار، بالتزامن مع زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن، معتبرة التوقيت رسالة سياسية. حينها طلب لافروف من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استخدام نفوذ أنقرة لدى كييف لوقف أي هجمات محتملة، فيما أعلنت تركيا أنها ستتخذ “الإجراءات اللازمة”.
كييف من جهتها نفت مراراً استهداف منشآت الطاقة الروسية، متهمة موسكو بضرب بنى مدنية أوكرانية، في إطار حرب متبادلة على البنية التحتية الاستراتيجية.
أنقرة بين الحليفين: موازنة دقيقة للمصالح
بحسب مصادر روسية، جرى إبلاغ أنقرة بتصريحات بوتين، مع توقع استمرار التنسيق بعيداً عن الأضواء. كما أعادت السفارة الروسية في تركيا نشر تصريحات الرئيس الروسي باللغة التركية، في خطوة تعكس حساسية الملف داخل الساحة التركية.
تركيا تجد نفسها في موقع دقيق؛ فهي عضو في حلف شمال الأطلسي من جهة، وشريك طاقوي رئيسي لروسيا من جهة أخرى. وتعتمد أنقرة بشكل كبير على واردات الغاز الروسي، في وقت تسعى فيه إلى ترسيخ موقعها كمركز إقليمي لإعادة توزيع الطاقة نحو أوروبا. أي تهديد للخطين البحريين لا يمس الإمدادات فحسب، بل يطال الطموح التركي في التحول إلى عقدة عبور استراتيجية.
الطاقة كسلاح تفاوضي: أبعاد أعمق من مجرد أنابيب
إدراج احتمال تخريب «تورك ستريم» و«بلو ستريم» في الخطاب الروسي يحمل بعداً سياسياً يتجاوز الشق الأمني. فموسكو، التي خسرت معظم قنوات تصديرها الغربية عقب الحرب، تدرك أن أي مساس بخط البحر الأسود سيضرب آخر أوراقها في السوق الأوروبية.
في المقابل، ترى روسيا أن إثارة ملف التخريب المحتمل قد يشكل رسالة ردع استباقية، كما يضع أي حادث مستقبلي في إطار “المؤامرة” المعلنة سلفاً، بما يعزز روايتها السياسية داخلياً وخارجياً.
التجربة الأوروبية مع تفجيرات “نورد ستريم” في بحر البلطيق لا تزال حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية للقارة، وقد عمّقت تلك الحادثة القلق من هشاشة البنى التحتية البحرية. من هنا، فإن أي تهديد جديد في البحر الأسود يعيد فتح ملف حماية خطوط الطاقة تحت الماء، وسط سباق تقني وأمني متصاعد.
احتمالات المرحلة المقبلة
إذا ما تكررت الاتهامات أو وقع حادث فعلي، فإن التداعيات قد تمتد إلى ثلاثة مستويات:
على المستوى الروسي–الأوكراني، سيُستخدم الحادث لتعزيز خطاب التصعيد وربما لتبرير عمليات عسكرية إضافية.
على المستوى التركي، ستجد أنقرة نفسها أمام اختبار موازنة دقيق بين تأمين منشآت استراتيجية والحفاظ على دور الوسيط بين موسكو وكييف.
أما أوروبياً، فستتجدد المخاوف من أمن الإمدادات، خصوصاً مع استمرار اعتماد بعض دول جنوب شرق أوروبا على الغاز الروسي عبر «تورك ستريم».
خلاصة
تحذير موسكو من استهداف خطوط الغاز في البحر الأسود يعكس تداخل الأمن الطاقوي بالمسار التفاوضي للحرب الأوكرانية، ويكشف هشاشة البنية التحتية البحرية في زمن الصراعات الهجينة. الرهان الآن ليس فقط على منع التخريب، بل على منع تحوّل الطاقة إلى شرارة تصعيد جديدة في معادلة دولية شديدة الحساسية.

