تواجه وسائل الإعلام التركية تدقيقًا قضائيًا متزايدًا بسبب تغطيتها لاحتجاجات حديقة غيزي عام 2013، حيث طلب الادعاء العام في إسطنبول من المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون المساعدة في تحديد المؤسسات الإعلامية التي يُزعم أنها ساهمت في تصعيد الاحتجاجات عبر تغطيتها الإعلامية.
عودة ملف احتجاجات غيزي بعد 12 عامًا
اندلعت احتجاجات غيزي بارك في صيف 2013، اعتراضًا على مشروع تطوير حضري في وسط إسطنبول، يتضمن بناء متاجر وثكنة عسكرية في منطقة خضراء، وسرعان ما انتشرت إلى مدن أخرى، مما شكل تحديًا كبيرًا لحكومة حزب العدالة والتنمية آنذاك، وبادرت السلطات إلى قمعها بعنف، ليصفها أردوغان لاحقًا بأنها “محاولة انقلاب” ضده، أو تحرك شعبي ثوري على غرار ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي” تقف وراءها قوى خارجية.
وبعد مرور 12 عامًا، عادت هذه الاحتجاجات إلى واجهة الأحداث مع اعتقال آيشه (عائشة) باريم، مديرة أعمال المشاهير، الأسبوع الماضي، بسبب مزاعم حول دورها المزعوم في تنظيم الاحتجاجات. وتعمل باريم في قطاع التلفزيون والسينما، وتعرضت لاتهامات بـ”محاولة الإطاحة بالجمهورية التركية أو عرقلة عملها”، وهو ما تنفيه بشدة.
تحقيق موسع يشمل وسائل الإعلام
يواصل مكتب المدعي العام في إسطنبول تحقيقاته في القضية، حيث وسع نطاق التحقيق ليشمل دور وسائل الإعلام في تغطية الاحتجاجات.
ووفقًا لصحيفة “خبر تورك”، طلب المدعون من المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون تزويدهم بقائمة الوسائل الإعلامية التي يُعتقد أنها شرّعت الاحتجاجات في تغطياتها، مما أدى إلى تأجيجها عبر نشر “دعاية المحتجين”. كما طلب الادعاء أرشيف البث الإعلامي ابتداءً من 27 مايو 2013، لمراجعة التغطية الإعلامية في تلك الفترة.
وأفادت الصحيفة بأنها حصلت على نسخة من الخطاب الرسمي الذي أرسله مكتب المدعي العام إلى المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون، والذي سيتولى تحليل المحتوى الإعلامي وإرسال تقرير إلى الادعاء. وبناءً على ذلك، قد يتم استدعاء مسؤولي تلك الوسائل الإعلامية وصحفييها للإدلاء بشهاداتهم.
التغطية الإعلامية في 2013 بين الصمت والنقد
خلال ذروة احتجاجات يونيو 2013، امتنعت بعض وسائل الإعلام القريبة من الحكومة عن تغطية الأحداث، خشية استعداء الحكومة، بينما كانت التغطية مقتصرة على وسائل إعلام معارضة ومستقلة.
وقد أثار هذا الموقف الإعلامي انتقادات واسعة، حيث قامت شبكة CNN Türk، إحدى القنوات البارزة، ببث فيلم وثائقي عن البطاريق بدلًا من تغطية عنف الشرطة ضد المحتجين في إسطنبول، مما تسبب في موجة سخرية واستنكار على وسائل التواصل الاجتماعي، وأدى إلى إطلاق حملة تطالبCNN الدولية بفصل نفسها عن الفرع التركي.
اعتقالات وإدانات سابقة بسبب الاحتجاجات
أثار اعتقال آيشه باريم صدمة في الأوساط الثقافية والفنية، وسط مخاوف من أن تستغل الحكومة ملف احتجاجات غيزي مجددًا لملاحقة معارضيها وإعادة تشكيل المشهد الثقافي والفني في تركيا.
وكانت السلطات قد وجهت اتهامات مماثلة خلال السنوات الماضية ضد معارضين بارزين، ففي عام 2022، أُدين خمسة أشخاص، من بينهم رجل الأعمال والناشط المدني عثمان كافالا، بتهم محاولة الإطاحة بالحكومة لدورهم المزعوم في الاحتجاجات، رغم نفيهم التهم واعتبارها ذات دوافع سياسية.
وفي سبتمبر 2023، أيدت محكمة الاستئناف العليا الأحكام الصادرة ضد جان أتالاي وهو محامٍ حقوقي ونائب سابق عن حزب العمال التركي، والصحفية والمنتجة السينمائية جيغدم ماتر، والمخطط الحضري تايفون كهرمان، وكذلك المخرجة السينمائية مينه أوزردن، وذلك إلى جانب تأكيد الحكم ضد كافالا، وسط انتقادات دولية واسعة لملف حقوق الإنسان في تركيا.
يأتي التحقيق في دور وسائل الإعلام ضمن تصعيد قضائي جديد ضد أطراف يعتقد أنها دعمت احتجاجات غيزي، مما يثير تساؤلات حول مدى تأثير هذا المسار على مستقبل الإعلام في تركيا، وسط اتهامات للحكومة باستخدام القضاء والأجهزة الرقابية كأدوات لتضييق الخناق على الصحافة المستقلة والمعارضة.

