تقرير: ياوز أجار
في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة، تجد مصر نفسها أمام معادلة صعبة تتعلق بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة.
ورغم أن قدرة القاهرة على مواجهة هذه الخطة محدودة، إلا أن خياراتها لم تنعدم تمامًا، إذ تمتلك هامشًا من المناورة يمكنها استغلاله لتحقيق توازن بين مصالحها الاستراتيجية والضغوط الدولية.
الضغوط الأمريكية والموقع الاستراتيجي لمصر
تدرك الإدارة الأمريكية أن مصر، بحكم موقعها الاستراتيجي ودورها المحوري في المنطقة، تمثل مفتاحًا أساسيًا لأي تحرك يخص غزة. ولذلك، تسعى واشنطن إلى إقناع القاهرة بقبول تهجير الفلسطينيين عبر تقديم حوافز اقتصادية وسياسية، مثل زيادة المساعدات العسكرية، والتخفيف من عبء الديون، وتعزيز التعاون الأمني.
وقد ألمح ترامب إلى ثقته في استجابة مصر والأردن لمطالبه، حيث قال: “نحن نقدم لهم الكثير، وسيفعلون ما نطلبه منهم.” ومع ذلك، فإن القاهرة لم تُظهر استعدادًا علنيًا لقبول هذا السيناريو، بل تحاول استخدام موقعها كوسيط رئيسي في قضايا المنطقة، لا سيما في مفاوضات التهدئة بين حماس وإسرائيل، وقضايا تبادل الأسرى، لإدارة الضغوط الأمريكية بذكاء.
الخيارات البديلة أمام مصر
رغم أن مواجهة مصر للخطة الأمريكية بشكل مباشر قد يكون صعبًا، إلا أنها تمتلك بعض الخيارات التي قد تعرقل تنفيذها، وفقًا للتقرير الذي نشرته صحيفة “العرب”:
- تعزيز دور السلطة الفلسطينية في غزة: يمكن لمصر العمل على دعم نفوذ السلطة الفلسطينية في غزة كبديل عن سيناريو التهجير، وهو ما يتماشى مع الموقف العربي التقليدي الداعم لحل الدولتين.
- تكثيف جهود إعادة الإعمار: تسريع مشاريع إعادة الإعمار في غزة قد يمنح الفلسطينيين فرصًا أفضل للبقاء في أراضيهم، مما يُضعف مبررات الطرح الأمريكي بشأن ضرورة تهجيرهم.
- الضغط عبر المجتمع الدولي: تمتلك القاهرة أوراق ضغط دبلوماسية، من خلال الحشد العربي والإسلامي والدولي ضد خطة التهجير، خاصة أن الترحيل القسري يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
- التهديد بإعادة النظر في معاهدة السلام مع إسرائيل: يُعد اتفاق السلام المصري-الإسرائيلي لعام 1979 عنصرًا أساسيًا في استقرار المنطقة، ولكن إذا شعرت القاهرة بأن واشنطن وتل أبيب تدفعان باتجاه تنفيذ خطة التهجير، فقد تلوّح بإعادة تقييم هذه الاتفاقية، مما قد يؤدي إلى اضطرابات أمنية لا ترغب إسرائيل في مواجهتها.
خيار صحراء النقب كبديل للتهجير إلى سيناء
في مواجهة المعارضة المصرية، عاد الحديث عن خيار آخر يتمثل في توطين الفلسطينيين في صحراء النقب الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بدلًا من سيناء. إذ ترى بعض الجهات أن هذا الخيار قد يكون أكثر قبولًا، نظرًا لأنه يبقي الفلسطينيين داخل حدود الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، لكنه لا يزال محل جدل كبير، سواء داخل الأوساط الفلسطينية أو العربية.
هل هناك تهجير غير معلن؟
إلى جانب السيناريوهات الرسمية، تثار تساؤلات حول إمكانية تنفيذ عملية تهجير تدريجية غير معلنة، بحيث يتم إدخال أعداد من الفلسطينيين إلى مصر تحت غطاء المساعدات الإنسانية، وخاصة الجرحى، ومن ثم يُمنعون لاحقًا من العودة إلى غزة، مما قد يؤدي إلى تغيير ديموغرافي تدريجي.
صحيفة العرب اللندنية أشارت إلى احتمال استقبال أعداد محدودة من اللاجئين الفلسطينيين بصورة غير رسمية، بحيث يتم توطينهم تدريجيًا في بعض مناطق شمال سيناء مثل رفح والعريش، دون الإعلان عن ذلك كسياسة رسمية.
الموقف المصري: رفض رسمي ومناورات دبلوماسية
في العلن، يؤكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفضه القاطع لفكرة تهجير الفلسطينيين، واصفًا ذلك بـ”الظلم الفادح”، لكنه في الوقت ذاته، يحرص على الحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن، حيث أشاد بـ”دور ترامب في تحقيق السلام بالشرق الأوسط”، في إشارة إلى توازن دبلوماسي يحاول الحفاظ عليه لتجنب المواجهة المباشرة مع الإدارة الأمريكية.
خيارات مصر بين الضغط والمناورة
يبدو أن مصر تحاول تفادي الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن القبول العلني بمخطط التهجير سيشكل تهديدًا لاستقرارها الداخلي ولعلاقاتها الإقليمية. لذلك، تعتمد القاهرة على مزيج من الرفض الرسمي، والمناورة الدبلوماسية، والبحث عن بدائل سياسية يمكن أن تعطل تنفيذ الخطة الأمريكية.
الأيام القادمة والدبلوماسية النشطة هي الكفيلة بالكشف عما إذا كانت مصر ستنجح في التصدي لهذه الضغوط دون أن تتكبد خسائر استراتيجية؟

