في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا لافتًا في علاقات القاهرة مع أنقرة، أفادت تقارير إعلامية بأن تركيا وافقت مبدئيًا على انضمام مصر إلى برنامجها الطموح لإنتاج المقاتلة الشبحية من الجيل الخامس “كاآن”، في مؤشر على تسارع وتيرة التقارب السياسي والعسكري بين البلدين بعد سنوات من القطيعة والتوتر.
المقاتلة ” كاآن”: طموح تركي لبناء قوة جوية مستقلة
برنامج “كاآن” يمثل المشروع التركي الأضخم في مجال الصناعات الدفاعية الجوية، إذ يهدف إلى إنتاج مقاتلة شبحية محلية بديلة عن مقاتلات “إف-16” الأمريكية التي باتت تشكل العمود الفقري لسلاح الجو التركي. وقد أطلق البرنامج رسميًا عام 2016، ويُتوقع أن تدخل المقاتلة الخدمة بحلول أواخر العقد الحالي.
تخضع النماذج الأولية من “كاآن” حاليًا لاختبارات الطيران، وتستخدم في هذه المرحلة محركات من طراز General Electric F110 الأمريكية الصنع، ما يضع أنقرة أمام ضرورة الحصول على موافقة واشنطن لإعادة تصدير هذه المحركات إلى أطراف ثالثة مثل مصر، وهي موافقة لا تزال غير مضمونة.
شراكة صناعية تتجاوز الشراء إلى التصنيع المحلي
وبحسب تقارير متخصصة نُشرت في دورية Tactical Report وعدد من وسائل الإعلام التركية، فإن الدور المصري المحتمل في البرنامج لا يقتصر على شراء الطائرات فقط، بل يشمل أيضًا نقل التكنولوجيا، والمشاركة في تصنيع المكونات، بل وحتى التجميع المحلي داخل مصر، بما يتماشى مع أهداف القاهرة طويلة الأمد في تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية.
ويُنتظر توقيع اتفاق رسمي بين الجانبين بحلول أواخر عام 2025، وذلك بعد أن قام وفد مصري رفيع المستوى بتفقد أحد النماذج الأولية للطائرة مؤخرًا.
سلاح الجو المصري: الحاجة إلى التحديث وتقليل الاعتماد
تأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه مصر، التي تمتلك واحدًا من أضخم أساطيل الطيران العسكري في المنطقة، إلى تنويع مصادر تسليحها وتحديث أسطولها المتقادم. وتشير البيانات إلى أن مصر تمتلك نحو210 مقاتلة من طراز F-16 و78مقاتلة Mirage-5 و19 مقاتلة Mirage-2000وعدد من مقاتلات MiG-29M ورافالالحديثة.
يُشار إلى أن العديد من هذه الطائرات، خاصة من طراز ميراج وميغ، باتت تقترب من نهاية عمرها التشغيلي، ما يدفع القاهرة للبحث عن حلول جديدة، خاصة في ظل القيود المفروضة على تصدير التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة مثل مقاتلة F-35، التي لا تزال محظورة على مصر والسعودية والإمارات.
خيارات بديلة وتعاون متعدد الأطراف
في إطار هذه الاستراتيجية، عقدت مصر منذ عام 2015 صفقة مع فرنسا لشراء54 مقاتلة رافال، لا تزال عمليات تسليمها مستمرة. كما أجرت تدريبات جوية مشتركة مع الصين باستخدام طائرات J-10C، وتُجري حاليًا محادثات مع كوريا الجنوبية للحصول على طائراتFA-50 الخفيفة لدعم أسطولها التدريبي.
تحوّل في الحسابات الجيوسياسية: توازن مع إسرائيل
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن دخول مصر إلى برنامج “ كاآن” من شأنه أن يقلّص الفجوة التكنولوجية بينها وبين إسرائيل، التي لا تزال الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تشغّل طائراتF-35 الشبحية الأمريكية.
وفي تصريح لوسائل إعلام تركية، قال الدكتور علي بكير، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة قطر وزميل زائر في مجلس الأطلسي: “حتى إن حصلت بعض الدول العربية مستقبلًا على مقاتلات F-35، فستكون على الأرجح بنسخ مخفّفة مقارنة بما حصلت عليه إسرائيل.”
وأشار إلى أن السعودية والإمارات، اللتين تبديان أيضًا اهتمامًا ببرنامج “كاآن“، تنظران إلى المقاتلة التركية كبديل عملي ومفتوح أمام التعاون الإقليمي، في ظل القيود الغربية المتزايدة.
تحوّل سياسي يفتح آفاق التعاون الدفاعي
يمثل هذا التعاون المرتقب بين القاهرة وأنقرة ذروة التحول في العلاقات الثنائية التي شهدت تقلبات حادة منذ عام 2013، حين توترت عقب الإطاحة بالرئيس المصري الأسبق محمد مرسي وما تبعه من تصعيد سياسي وإعلامي متبادل.
لكن منذ عام 2021، شرعت الدولتان في حوار تصالحي رسمي تطور إلى إعادة تبادل السفراء في 2023، أعقبته زيارات رفيعة المستوى شملت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2024، ثم زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة في سبتمبر من العام نفسه، حيث أعرب خلالها عن اهتمام مصر بالمشاركة في مشروع “كاآن“.
وبحسب تصريحات اللواء الطيار المتقاعد حسن رشيد لصحيفة The New Arab، فإن التعاون مع تركيا “سيمثّل خطوة إيجابية جدًا” لأنه سيوفر لمصر إمكانية الوصول إلى تقنيات متقدمة تظل محظورة ضمن سياسة التصدير الأمريكية.

