أفاد المحلل السياسي التركي أرقم طوفان بأن فخر الدين ألتون، رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، يعد أحد أبرز الشخصيات المسؤولة عن توجيه الإعلام في تركيا وترسيخ الهيمنة الإعلامية لصالح السلطة الحاكمة.
وأشار طوفان، في تحليل نشره عبر قناته على موقع يوتيوب، إلى أن هذه المؤسسة، التي أُنشئت عام 2018، لا تقتصر وظيفتها على التواصل الحكومي بل تجاوزت ذلك لتصبح أداة مركزية في تشكيل الرأي العام وإدارة الحملات الإعلامية وفقًا لأجندة سياسية محددة.
إدارة الإعلام كأداة للهيمنة السياسية
لفت طوفان إلى أن تركيا تشهد تحولًا عميقًا في دور الإعلام، حيث لم يعد مقتصرًا على نقل الأخبار، بل بات وسيلة للتحكم بالسردية السياسية وإدارة الإدراك الجماهيري. وفي هذا السياق، أشار إلى أن ألتون يُشرف بشكل مباشر على مختلف المؤسسات الإعلامية الرسمية، مثل “وكالة الأناضول” و”هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT)”، فضلًا عن علاقته الوثيقة بالصحف والقنوات المحسوبة على السلطة. وأضاف أن منصبه يمنحه صلاحيات واسعة في ضبط المحتوى الإعلامي وتوجيهه وفقًا للرؤية السياسية للحكومة.
إمكانات مالية ضخمة لدعم الآلة الإعلامية
وواصل طوفان حديثه بالإشارة إلى أن دائرة الاتصال تمتلك ميزانية ضخمة تعكس أهميتها في الاستراتيجية السياسية للسلطة. وذكر أن ميزانية هذه الدائرة لعام 2025 بلغت 6 مليارات ليرة تركية، ما يعادل 14 مليون ليرة يوميًا. وأضاف أن هذا الإنفاق الهائل، حين يُضاف إلى مصاريف القصر الرئاسي، يصل إلى نحو 60 مليون ليرة يوميًا، وهو مبلغ كان يمكن تخصيصه لتحسين أوضاع شرائح مجتمعية مثل المتقاعدين، الذين لم يحصلوا إلا على زيادة رمزية في رواتبهم.
تأثير ألتون على القضاء والمؤسسات الأمنية
شدد طوفان على أن دور ألتون لا يقتصر على الإعلام، بل يمتد إلى التأثير في القضاء وتوجيه الملفات القانونية ضد الخصوم السياسيين. وأشار إلى أن هذا التداخل ظهر جليًا في قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، حيث بدأت الحملة ضده عبر الإعلام الموالي، أعقبها تحرك قضائي أدى إلى إدانته ومحاولات لاستبعاده من المشهد السياسي. وذكر أن هذا النموذج يعكس استراتيجية السلطة في استخدام الإعلام كمرحلة أولى لتهيئة الرأي العام قبل اتخاذ خطوات قانونية ضد المعارضين.
السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية والجديدة
نوه طوفان بأن سيطرة ألتون لا تقتصر على الإعلام التقليدي، بل تشمل أيضًا الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُتهم بتوجيه حملات إلكترونية عبر ما يُعرف بـ”الذباب الإلكتروني” أو “الجيوش الرقمية” التي تعمل على دعم السردية الرسمية وتشويه صورة المعارضين. وتابع أن هناك تقارير تفيد بأن بعض المنصات الإعلامية المعارضة تتلقى تمويلًا غير مباشر من مصادر قريبة من السلطة، في محاولة لتوجيه خطابها ضمن حدود لا تخرج عن السيطرة الكاملة.
دور المؤسسات الإعلامية الرسمية
تطرق طوفان إلى دور المؤسسات الإعلامية الرسمية مثل “TRT” و”وكالة الأناضول”، حيث أكد أن هذه المنصات تحولت إلى أدوات دعائية بحتة للسلطة. وأشار إلى أن “TRT” تلقت خلال العشرين عامًا الماضية تمويلًا يُقدر بـ12 مليار دولار من الضرائب التي تُفرض حتى على الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف المحمولة والساعات الذكية، ما يعكس حجم الدعم الذي تتلقاه هذه القنوات لضمان استمرار خطابها الموالي للحكومة.
القمع الإعلامي وتقييد حرية التعبير
أعاد طوفان للأذهان أن دائرة الاتصال لا تكتفي بتعزيز حضور الإعلام الحكومي، بل تعمل أيضًا على تضييق الخناق على الصحافة المستقلة من خلال مؤسسات مثل “هيئة الإعلانات الصحفية” التي تتحكم في توزيع الإعلانات الرسمية، مما يمنحها وسيلة ضغط فعالة ضد الصحف غير الموالية. ولفت إلى أن ذلك يُترجم إلى ممارسات مثل منع التغطية الإعلامية لأحداث معينة، وتوجيه الصحف الموالية لنشر روايات محددة، فضلًا عن حملات التشهير والتخوين ضد الصحفيين المستقلين.
التداخل بين الإعلام والسياسة
خلص طوفان إلى أن فخر الدين ألتون، رغم كونه رسميًا موظفًا حكوميًا بموجب قانون الخدمة المدنية، يتصرف كفاعل سياسي مباشر، حيث يتدخل في الشؤون السياسية ويعلق على القضايا الخلافية بلغة حادة. وأشار إلى أن ذلك يتناقض مع القوانين التي تحظر على الموظفين الحكوميين الانخراط في السياسة الحزبية، لكنه يحظى بغطاء رسمي يمكنه من تجاوز هذه القيود.
خاتمة: الإعلام كأداة للسلطة
انتهى طوفان إلى أن دائرة الاتصال برئاسة ألتون ليست مجرد هيئة إعلامية، بل جزء من بنية السلطة السياسية التي تعتمد على الإعلام في إدارة الأزمات، وتوجيه الرأي العام، وتبرير السياسات الحكومية. وأكد أن هذا الدور يجعل الإعلام في تركيا أقرب إلى نموذج “وزارة الحقيقة” في رواية جورج أورويل 1984، حيث تُصنع الحقائق وتُعاد صياغة الأحداث بما يخدم أجندة النظام الحاكم.

