أكد آدم ياوز أرسلان، المحلل والكاتب الصحفي التركي ورئيس تحرير صحيفة “بوجون” قبل إغلاقها، أن الرواية الرسمية لما سمي في تركيا بـ”محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016″ سقطت بالكامل بالتزامن مع القرار الذي صدر مؤخرا من الأمم المتحدة، وذلك في مقال نشره بموقع (TR724) الإخباري التركي محاولا رصد تداعيات القرار ورسائله الخفية.
وفيما يلي خلاصة لهذا المقال:
في خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية عميقة، أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارًا يقضي بأن اعتقال القائد السابق للقوات الجوية التركية، الفريق أول أكين أوزتورك كان اعتقالًا تعسفيًا في غياب “شبهة معقولة” أو محاكمة عادلة، داعيًا إلى الإفراج الفوري عنه وتعويضه ماليًا، فضلًا عن محاسبة المسؤولين عن انتهاك حقوقه.
هذا القرار الأممي يمثل ضربة جوهرية لرواية النظام التركي بشأن أحداث 15 يوليو 2016، ويُعيد طرح تساؤلات جوهرية حول شرعية الإجراءات التي أعقبت تلك الليلة الغامضة.
التجاهل الإعلامي والسياسي: صمت مدوٍّ
من المثير للدهشة أن هذا القرار لم يحظَ بأي اهتمام يُذكر في وسائل الإعلام التركية الرسمية أو حتى في بعض وسائل الإعلام التي تصف نفسها بأنها “معارضة مستقلة”. كما لم يُثر أي رد فعل سياسي من الأحزاب المعارضة الكبرى، وكأنّ الجميع التزم سياسة “لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم”. هذا الصمت يعكس إشكالية أعمق تتعلق بارتهان الخطاب السياسي والإعلامي التركي للسلطة الحاكمة، بغض النظر عن ادعاءاته بالاستقلالية.
15 يوليو: بين الرواية الرسمية والحقائق الدولية
منذ اللحظات الأولى لمحاولة الانقلاب المزعومة، رُوّج لرواية رسمية مفادها أن محاولة الاستيلاء على السلطة كانت “مؤامرة عسكرية” قادها أكين أوزتورك بالتنسيق مع جماعة “فتح الله غولن”. غير أن الوقائع التي تكشفت لاحقًا، والتي أيدتها قرارات جهات دولية، أثبتت أن هذه الرواية تفتقر إلى الأدلة القانونية القاطعة.
أبرز هذه الحقائق أن أكين أوزتورك لم يكن متورطًا في أي أعمال عسكرية مباشرة، وكان في منزل ابنته ليلة الأحداث، ولم يتوجه إلى قاعدة “أكينجي” الجوية، معقل الانقلابيين وفقا للرواية الرسمية، إلا بناءً على استدعاء رسمي من قيادة الجيش. كما أنه لم يُشاهد وهو يصدر أي أوامر أو يشارك في أي عمليات عسكرية. بل تؤكد الوثائق الرسمية، وحتى تصريحات بعض المسؤولين الأتراك في تلك الفترة، أنه كان يحاول احتواء الموقف والتواصل مع قيادات الجيش لوقف الفوضى.
قرار الأمم المتحدة: أبعاد قانونية وسياسية
يمثل قرار الأمم المتحدة اعترافًا دوليًا بأن المحاكمات التي أعقبت 15 يوليو 2016 شابها الكثير من الانتهاكات القانونية، من بينها الاحتجاز التعسفي، واستخدام الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، وانتهاك حقوق الدفاع. ويطرح القرار تساؤلًا أساسيًا: إذا كان “القائد الأول” للانقلاب بريئًا، فمن الذي كان يدير العملية؟
هذا المنطق يقوض كامل البناء السردي الذي استخدمه النظام التركي لتبرير الانتقال إلى الحكم الاستبدادي وتعزيز القبضة الأمنية. فإذا كان المتهم الأول قد سُجن دون أدلة كافية، فماذا عن آلاف الضباط والموظفين والأكاديميين والصحفيين الذين تم اعتقالهم في سياق ما سُمّي بـ”التطهير الأمني”؟
ازدواجية التعامل مع قرارات الهيئات الدولية
من المفارقات أن الحكومة التركية رفضت الالتزام بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن انتهاكات حقوق الإنسان بعد 2016، رغم أنها كانت قد طبقت سابقًا قرارات مشابهة عندما كانت تصب في مصلحتها. على سبيل المثال، في 2013، عندما أصدرت الأمم المتحدة قرارًا بشأن قضية “المحاكمات الانقلابية” الخاصة بتنظيم “باليوز”، رحبت المعارضة ووسائل الإعلام بذلك القرار وطالبت بالإفراج الفوري عن المتهمين. أما اليوم، عندما صدر قرار مماثل لصالح أكين أوزتورك، فكان رد الفعل هو التجاهل التام، مما يكشف عن معايير مزدوجة في التعامل مع القضايا القانونية.
ما الذي يكشفه القرار عن طبيعة النظام؟
انهيار مزاعم النظام: القرار يُظهر بوضوح أن قضية 15 يوليو 2016 لم تكن “محاولة انقلابية” بالمعنى التقليدي، وإنما عملية مدبّرة أدت إلى استغلال الوضع لإعادة هندسة المشهد السياسي بالكامل.
التوظيف السياسي للقضاء: القضاء التركي لم يكن سوى أداة في يد السلطة، حيث أُدين آلاف الأشخاص بتهم ملفقة دون محاكمات عادلة.
ارتباك الخطاب المعارض: صمت المعارضة وعدم استثمار القرار سياسيًا يُبرز ضعفها وعدم قدرتها على مواجهة السردية الرسمية، ما يُفسّر جزئيًا سبب استمرار النظام في إحكام قبضته رغم الأزمات الداخلية المتفاقمة.
خطوة أولى نحو كشف الحقيقة؟
قرار الأمم المتحدة لا يعني نهاية القضية، لكنه يفتح الباب أمام مزيد من المراجعات القانونية والضغط الدولي، مما قد يؤدي إلى إعادة النظر في الكثير من القضايا التي طُويت ملفاتها قسرًا. فالتاريخ أثبت أن العدل قد يتأخر، لكنه لا يُهزم، وكما تقول الحكمة العربية:
“إذا جاء القدر عمي البصر” أي أن الحقيقة، مهما تم التعتيم عليها، ستنجلي يومًا ما.

