رفضت محكمة الجنايات العليا الثانية والعشرون في أنقرة الإفراج عن السياسي الكردي البارز صلاح الدين دميرطاش، على الرغم من صدور حكم حديث من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يؤكد مجددًا أن تركيا انتهكت حقوقه من خلال استمرار احتجازه المطوّل قبل المحاكمة. وبررت المحكمة قرارها بأن الحكم الأوروبي الصادر في 8 يوليو لم يدخل بعد حيز التنفيذ رسميًا، مستندةً إلى رسالة من وزارة العدل التركية تُفيد بعدم نهائية القرار.
وشمل الرفض أيضًا طلبات الإفراج عن عدد من المتهمين الآخرين في القضية المعروفة بـ”محاكمة كوباني”، من بينهم الرئيسة المشاركة السابقة لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب فيغن يوكسيكداغ.
انتقادات حادة من المحكمة الأوروبية وهيئات قانونية تركية
في قرارها الأخير، أكدت المحكمة الأوروبية أن تركيا انتهكت المادة الخامسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تكفل الحق في الحرية والأمن. كما انتقدت بشدة تأخر المحكمة الدستورية التركية في البت في الطعن المقدم من دميرطاش، والذي استغرق قرابة أربع سنوات.
ويعد هذا الحكم هو الثالث من نوعه الذي يدين تركيا في قضية دميرطاش، ويضع الدولة أمام التزام قانوني دولي بإنهاء احتجازه. في هذا السياق، طالبت نقابة المحامين الأتراك السلطات التركية بالامتثال الفوري للقرار الأوروبي، مشيرةً إلى إلزاميته بموجب المادة 46 من الاتفاقية الأوروبية والمادة 90 من الدستور التركي. ووصفت النقابة احتجاز دميرطاش بأنه “غير قانوني” ودعت إلى الإفراج الفوري عنه.
أزمة ثقة في نوايا الحكومة بشأن عملية السلام
جاء قرار المحكمة في وقت بالغ الحساسية، تزامنًا مع مؤشرات ميدانية على رغبة في إنهاء النزاع المسلح الممتد منذ أربعة عقود. ففي 11 يوليو، نظمت مجموعة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني في مدينة السليمانية شمالي العراق، مراسم علنية لتسليم أسلحتهم وتدميرها، في خطوة وُصفت بأنها بداية تحول استراتيجي من العمل المسلح إلى النشاط السياسي السلمي.
وجاءت هذه الخطوة في أعقاب بيان صدر في فبراير عن زعيم الحزب المعتقل عبد الله أوجلان، دعا فيه إلى إنهاء الكفاح المسلح والانخراط في السياسة الديمقراطية. إلا أن الحكومة التركية، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، لم تُبدِ أي استجابة ملموسة لهذا التطور، ما أثار شكوكًا واسعة بشأن جدية نواياها في تحقيق السلام.
خطاب أردوغان: وعود فضفاضة بلا خطوات عملية
كان من المرتقب أن يُعلن أردوغان، في خطاب ألقاه السبت الماضي، عن خطوات ملموسة في إطار مبادرة السلام. غير أن الخطاب خلا من أي إشارة إلى أوجلان، أو إلى عفو مرتقب، أو إصلاحات تشريعية تمهّد لمرحلة جديدة. واكتفى الرئيس التركي بترديد شعارات عامة عن “حقبة جديدة” و”تركيا خالية من الإرهاب”، من دون تقديم أي إطار قانوني أو سياسي يضمن عودة مقاتلي الحزب المنسحبين بسلام أو مشاركة القوى الكردية في الحياة العامة.
تحذيرات من “إفراغ السلام من مضمونه“
بدورها، حذّرت رئيسة حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب تولاى حاتم أوغوللاري من أن عدم اتخاذ الحكومة خطوات ملموسة يهدد الزخم الحاصل. وقالت: “إذا كانوا سيُعتقلون عند عودتهم، فلن يعودوا”، في إشارة إلى مقاتلي حزب العمال الراغبين في العودة والانخراط في الحياة المدنية. وطالبت بتوفير ضمانات قانونية وقنوات تواصل رسمية، بما يشمل رفع العزلة المفروضة على أوجلان.
استمرار الاعتقالات رغم رمزية “نهاية الصراع“
يستمر احتجاز شخصيات سياسية كردية بارزة مثل دميرطاش ويوكسيكداغ، في وقت تروّج فيه الحكومة لخطوات رمزية لإنهاء النزاع، دون معالجة جوهرية لمطالب الأكراد المتعلقة بالعدالة والمشاركة السياسية. ويرى مراقبون أن السلطات تسعى لاستثمار ملف السلام كورقة سياسية دون الالتزام بمسار إصلاحي حقيقي.

