في وقت يتأرجح فيه الإقليم على شفا حرب شاملة بين إيران وإسرائيل، وتشتد أزمات الاقتصاد التركي، يختار الكاتب الصحفي التركي محمود أقبينار أن يدلي بدلوه في قضية يرى أنها أمّ الأولويات: تحقيق السلم الأهلي في تركيا.
يرى أقبينار أن تدهور الاقتصاد التركي يدفع المواطنين نحو الجوع والبؤس، بينما المنطقة تتجه نحو مزيد من الانفجار مع قرب اندلاع “حرب عالمية ثالثة” على حد تعبيره. لذا يؤكد أن الضمان الحقيقي لأمن تركيا واستقرارها يكمن في ترسيخ السلم الداخلي، لا في الانخراط في صراعات خارجية.
ويضرب مثالاً على هشاشة الداخل الإيراني، مشيراً إلى أن شعبية النظام الإيراني تراجعت إلى ما دون 20%، وأن الشعب الإيراني ضاق ذرعًا بالحكم “القمعي، غير العادل، والفاسد”، ما يجعل إيران عرضة للتلاعب الخارجي.
ويحذر أقبينار من أن إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان لاستغلال هذا التناقض بين الدولة والمجتمع الإيراني، وهي استراتيجية قد تُستخدم لاحقًا ضد تركيا نفسها ما لم تتحصّن بوحدتها الوطنية.
أهمية الاعتراف بالتنوع الثقافي والعرقي
يستعرض أقبينار التاريخ التركي باعتباره أرضاً التقت فيها حضارات وأعراق متعددة؛ من الأتراك والأكراد إلى الأرمن والروم والسريان والشركس. وقد شكل هذا التعدد أساساً لهوية غنية، لكن الدولة القومية الحديثة فشلت في استيعابه، مفضلة نماذج الهوية الأحادية والإقصائية.
ويشير إلى أن السلطنة العثمانية كانت نموذجًا للتعدد الثقافي والديني، بعكس النهج القومي الذي ساد في الجمهورية التركية بعد عام 1923، حيث سعت الدولة الكمالية إلى بناء “أمة متجانسة” عبر التلقين والضغط الاجتماعي، ما أنتج انقسامات على خطوط الدين والعرق والطائفة.
مقترحات لحل القضية الكردية
يرى الكاتب أن القضية الكردية هي العقبة الأبرز أمام بناء السلم الأهلي، ويقدم عدداً من المقترحات العملية:
- استخدام اللغة الكردية رسميًا في الوثائق والخدمات الحكومية.
- دعم التعليم بالكردية والسماح بالتدريس بها في المدارس.
- تعزيز صلاحيات الإدارات المحلية في الشؤون الثقافية واللغوية، دون المساس بوحدة الدولة.
ويشير أقبينار إلى أن التشابك المجتمعي العميق بين الأكراد والأتراك – من خلال الهجرة والتزاوج والتعايش – يجعل الانفصال مستحيلاً، بل يدفع نحو تطوير نموذج تعايش ديمقراطي مرن.
معالجة الانقسام السنّي – العلوي
يرى الكاتب أن الانقسام التاريخي بين السنّة والعلويين يغذيه الجهل التاريخي والمناهج التعليمية الأحادية. ويقترح مراجعة الموضوعات التاريخية مثل معركة “چالديران”وشخصيات مثل السلطان سليم الأول والشاه إسماعيل بطريقة علمية ومتوازنة، واستبدال التعليم الديني الموحد بدروس دينية اختيارية ومتنوعة تراعي التعدد المذهبي.
إعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة
ينتقد أقبينار النموذج التركي للعلمانية، الذي فرض عزلة على المتدينين من جهة، ومن جهة أخرى حوّل رئاسة الشؤون الدينية (ديانة) إلى أداة مركزية بيد السلطة، تموَّل من المال العام وتخدم مذهبًا واحدًا على حساب بقية الطوائف.
ويقترح حلاً جذريًا:
- إلغاء “ديانة”، وتحويل إدارة الشأن الديني إلى المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية، بما يضمن التعددية الدينية والمذهبية.
- أو بديلًا لذلك: تحويل “ديانة” إلى هيئة تنسيقية للأديان والمذاهب، توزع الموارد بعدالة وتدعم كل الطوائف (كالدروز، والعلويين، والسريان…) في مشاريعها الدينية والتعليمية.
ويستند في رؤيته إلى وثيقة المدينة (صحيفة المدينة) التي أقرّها النبي محمد ﷺ، والتي احترمت استقلالية الطوائف والأديان المختلفة.
موقع “الكمالية” في معادلة السلم الأهلي
رغم اعترافه بالدور التأسيسي لمصطفى كمال أتاتورك، إلا أن أقبينار ينتقد ما يسميه “فرض الكمالية كأيديولوجيا شاملة”، خاصة في التعليم والإعلام. ويقترح تدريس شخصية أتاتورك ضمن رؤية موضوعية ونقدية، تعترف بالإنجازات دون التقديس، وإنهاء رمزية الكمالية القسرية في كل مناحي الحياة، باعتبارها مناقضة لروح التعددية والديمقراطية.
رؤية شاملة نحو دولة تعددية ديمقراطية
يؤكد أقبينار أن بناء دولة ديمقراطية حقيقية في تركيا لا يتم إلا عبر الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني، وإصلاح التعليم بما يعزز قيم التعددية والتعايش، وبناء مؤسسات عادلة وشفافة تعتمد على الكفاءة والتمثيل المتوازن، ومنع التمييز والإقصاء والوصاية الأيديولوجية.
ويرى أن تركيا إن تمكنت من ترسيخ سلمها الأهلي الداخلي، فإنها ستكون مؤهلة لأن تصبح قوة استقرار في الإقليم، لا ساحة للنفوذ الخارجي أو التلاعب الإقليمي.
السلم الأهلي حصن الأمن القومي
يختم أقبينار مقاله بدعوة صريحة: “إذا كانت تركيا لا تريد أن تكون ساحة لمخططات الخارج كما هو الحال في دول مجاورة، فعليها أن تحقق مصالحة داخلية حقيقية، وتبني نظامًا عادلاً يرضى به الجميع.”

